الأربعاء، 26 ديسمبر 2007

النُخب الفكرية..وأزمة الطبقة السياسية 3-3


عنوان فرعي: ظـنُّ العاقل..خـيــرٌ من يقـيـن الجـاهل


نعود الآن لنكمل مسألة غياب النخب الفكرية والتي طرحتها في المقال الأول من هذه السلسلة البسيطة والتي أدت الى اطالة المقال والذي اتمنى أن تكون فيها الفائدة

لقد ذكرت في الجزء الأول من هذا المقال بأن أوربا لم تقم لها قائمة إلآ بعد ان تحركت النخب الفكرية لتغيير الأحوال

وقد يقول قائل أن التحرك الشعبي كان أيضا أحد أهم مقومات أوربا الحديثة!!؟؟


وهذا كلام فيه جزء بسيط من الصحة وذلك لسبب رئيسي واحد وهو

إذا كان تحرك الشعوب بدون نخب فكرية فإن تحركاتها لن تتعدى المغنم المؤقت حتى تعود هذه الشعوب تأن من الظلم والجهل مرة أخرى

ودليلي على ذلك هو تاريخ تحركات الشعوب في أوربا مثل اسكتلندا والمانيا ودول أخرى قبل قيام الثورة الفكرية أو خلال ولادتها الأولى ،فرجعت هذه الشعوب الى الظلم والجهل دون أدنى فائدة من تحركها الغير منظم بأطر فكرية


أي قبل النضوج الفكري الكامل لمبادئ بعض الفلاسفة والمتحررين من الكنيسة أمثال مارتن لوثر الألماني ومن بعده تلامذته ، مرورا بجون لوك الانجليزي حتى الوصول الى جان جاك روسو صاحب نظرية العقد الاجتماعي والتي كان لها كبير الأثر في تداعيات الثورة الفرنسية ونشوء دول أوربا الحديثة

لا أريد الدخول في جدل حول النخب الفكرية في اوربا من حيث اسمائهم ودورهم وفعاليتهم داخل المجتمع ولكن مايهمني هو المحصلة

والمحصلة عندي أن أسس التغيير بنيت على فكر النخب والتي تلاقفتها الفعاليات الاجتماعية المؤثرة وتبنتها كنهج وكوثيقة أوصيغة موحدة كما ذكرتها الأخت هذيــان في مداخلتها معي في موضوعها الأخير.

بعد هذه الديباجة التي كان لابد منها حتى أوضح رأيي بأن التحركات الجماعية والتي تكون بدون نخب فكرية ورؤية استراتيجية وهدف بعيد المدى ، فإن هذا التحرك لن يكون له أثر بعد مضي فترة بسيطة

وخير دليل سأورده على التحرك دون وجود النخب الفكرية هو تحرك نبيها خمس ،فهذا التحرك الذي قمنا به جميعا بعد أن ضقنا ضرعا بالفساد وصرنا نراه مدخل للاصلاح لم يواكبه أي تطور في فكر أهل الحل والعقد لا من حيث اختيار رأس السلطة التنفيية ولا من حيث الفلسفة الفكرية للتطور وذلك بسبب قصر فكر وهدف تحرك نبيها خمس

كما أني بدأت أرى شيئا لا يراه إلآ من يعيش داخل المجتمع القبلي ، فإن لم تضرب الدولة بيد من حديد فرعيات القبائل فإن افراز بعض الدوائر سيكون عبارة عن نسخة طبق الأصل من دوائر الخمس والعشرين وسأتحدث عن هذا الشيء لاحقا بمقالات عن الوضع الاجتماعي والقبيلة السياسية وتحولات المجتمع المدني

وعودا على ماطرحه الأخوة من وجود نخب ولكنها إنزوت على حالها

فإن وجهة نظري البسيطة أن هذه النخب لم تختفي أو تـنـزوي بسبب مبدأ تكافؤ الفرص أو العدالة الاجتماعية فقط


فهذه النُخب المثقفة أقيلت أو استغنيَ عنها سياسيا واجتماعيا ، فالمجتمع ونحن ابناؤه مشاركين بهذا التهميش


مع العلم بأن هذه العوامل والمعاناة لا تفسر انزواء النخب على حالها فمازال هناك سبب جوهري آخر وهو


أن هذه النخب الفكرية ذاتها تعيش غيبوبة فكرية حيث أنها لم تستثمر معاناة التهميش لـتـفـتح أفق الفكر عندها بل أنها رضخت للظروف المحيطة واستسلمت


فمفكري النهضة الاوربية عانوا أكثر من ذلك الى أن وصل الأمر بهم الى الايذاء الجسدي والتهجير

فما أعرفه من خلال قراءاتي البسيطة للتاريخ أن المعاناة تولّــد الابداع الفكري والعلمي والادبي ، فأين نُـخـبـنا من هذه المعاناة التي لحقت بمفكري أوربا!!؟؟


ولماذا لم يظهر انتاجهم ولو على صفحات الانترنت والذي يستطيع أن يصل اليه الجاهل فما بالكم بالعالم!!؟؟


هناك مفكر أعرفه ويحمل عمق في التفكير السياسي الاستراتيجي ولكنه اعتزل المحلي واتجه للسياسة الدولية
وهو الدكتور عبدالله النفيسي وبغض النظر عن اختلافي في كثير من القضايا معه لكن الرجل يحمل الكثير في عقله فلماذا لم يوظفه للوضع الداخلي، لماذا!!؟؟

إن اختفاء وانزواء واندثار النخب الفكرية كان أهم اسبابه التالي


أ-انعدام مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية
ب-الاستغناء السياسي والاجتماعي
ج-الغيبوبة الفكرية من النخب نفسها

اذا فالنخب الفكرية تتحمل جزء من المشكلة


والسؤال الآن


هل مازالنا نظن أن عندنا نخب فكرية تغوص في عمق الأزمات الحاصلة في البـلـد وتبحث عن الحلول وتستـنـبطها على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي و و و و!!؟؟


هذا جزء بسيط مما يحمله عقلي الصغير وضعته بين ايديكم على شكل عدة مقالات لتشاركوني فيه عـلّ أن تكون مناقشاتـنا فيها الفائدة لـكـويـت المستـقـبـل


انتهى


نقطة شديدة الوضوح:


إن المعاناة البشرية بجميع جوانبها من احساس بالظلم والقهر والتهميش والالغاء تولّـد في الانسان ردة فعل فكرية فتجعله يعيد حساباتِـه ويبدأ في التفكير عن أصل معاناتِـه ، حتى يصل الى نتيجة أن تهميشه لم يكن من شخوص زائلين وإنما من نظام قائم على تهميش فكرِه ، وعندها يصل الى حقيقة شبه مطلقة بأن الخلل الأساسي ناتج عن سياق النظام الاجتماعي والسياسي ، فيبحث عن نظرية تغيّـر فكر النظام وتتعدى شخوصه الزائلة وفكره الاجتماعي الى أن يصل الى الحقيقة النسبية ويطرحها فيسوقها للناس