الاثنين، 10 ديسمبر 2007

النُخب الفكرية..وأزمة الطبقة السياسية 1-3

عنوان فرعي: إنّك لا تجني من الشّوك العنب


قبل يوم كنت ضيفا على مدونة الأخ العزيز مهندس كويتي ، وقد علّقت على موضوعه بخصوص المحادثة بينه وبين صديقه سالم ، وقد ذكرت في سياق ردي بأننا في الكويت نعاني من أزمة عدم وجود نُخـب فكرية، وفساد الطبقة السياسية ، أياًّ كان نوع هذا الفساد.

فهناك نوعان من الدول المتطورة أو الصاعدة ، فإما يكون تطورها عبر مفكّريها ونظرياتهم واستنباطهم للحلول ، أو يكون عبر عزم وجديـّة من حكوماتها نحو التغيير وانتشال البلاد الى الحالة الأفضل
وسأبدأ هنا بالنخب الفكرية وأعرج لاحقا على دور الحكومات

في الحقيقة إن أزمة عدم وجود نخب فكرية على اختلاف مشاربها ليس مشكلتنا وحدنا بل أنها مشكلة الوطن العربي جميعه وتتعداه إلى دول العالم الثالث ، مايهمنا هنا هو الكويت

إن التاريخ الانساني يزخر بثورات النخـب الفكرية واللتي كانت الأساس الفكري لتطور الدول عبر المنطلقات على أرض الواقع ، من حيث طرح الحلول وتحريك الشعوب ناحية التغيير من وضع سيء الى وضع حسن ومن ثمّ نقلها الى الوضع الأحسن باستمرار.


وخير مثال قريب على ذلك هو عصر النهضة الأوربية ، واللتي كان اهم ما يميزها هو نزعتها الإنسانية
Humanism ،
واللتي كانت شرارتها الأولى في ايطاليا ومن ثم انتقلت الى باقي اوربا مولدة عصر الثورات الصناعية وعصر الحريّات المطلق يكون فيه المواطن هو أساس السلطات كلها وكانت شرارتها الثورة الفرنسية في عام 1789 ،واللتي انجبت الدولة النموذجية في أوربا.

أعلم علم اليقين أن بداية الشرارة الفكرية كانت ضد سلطة الكنيسة المطلقة ، واكبها تحرك ضد الطبقة البرجوازية ، وأعلم أن الدين الاسلامي لايوجد به كهنوت ، ولاتوجد به أفضلية طبقة على أخرى وأنّ ما كان يعاني منه الأوربيين من تسلط رجال الدين وصكوك غفرانهم، لا نعاني منه.

مايهمنا بعد هذا السرد التاريخي الموجز, هو أنّ قيام الثورة الفكرية كان ضد حالة من الجهل وتفشي الطبقية وانعدام العدالة واستشراء الفساد داخل المؤسسة الدينية والطبقة الحاكمة ورجالها من البرجوازيين والاقطاعيين.

نحن في الكويت نعاني حاله شبيهه،تتمثل في تفشي ظواهر متطرفة في التعصب القبلي والطائفي والعائلي ، والجهل الثقافي بالمستجدات والتطورات ، وكذلك انعدام العدالة الاجتماعية ، وسقوط مبدأ تكافؤ الفرص ، وتقييد الحريّات مما سبب عندنا فجوة حريات كبيرة جدا ، وتغلغل الفساد في السلطة التنفيذية والتشريعية على حد سواء ، وانهيار مبادئ الطبقة السياسية على حساب المصالح المشتركة وسطوة المال والجاه ، ومن ثم ظهور طبقة من رجال المصالح أو ما اصطلح على تسميته الفداوية الجدد ، على وزن المحافظون الجدد

هذه الأحداث لم تظهر بين ليلة وضحاها وإنما كانت نتيجة تراكم العشرات من السنين والمحاولات المتواصلة لإفراغ الدستور من محتواه حتى يكفر الناس به.

وهنا تساؤل يطرح نفسه ،إذا كان هذا التراكم من عشرات السنين ، لماذا لم ينجب لنا هذا التراكم النخب الفكرية لتحاول أن تصده.

أعتقد أن هناك سبيبين رئيسيين لعدم ظهور هذه النخب
الأول

تفتيت المجتمع الى كانتونات ووحدات صغيرة على اساسٍ من منطلقات جاهلية ،على سبيل المثال (بدو- حضر- سنة- شيعه-عجم) ، وداخل مجتمع البدو يتم التـفتيت على أساس القبائل والطائفة الى مذاهب والحضر الى دماء زرقاء وأخرى أقل درجة وهلمّ جره ، ومن ثم يأتي بعد ذلك تقديم الغنائم للطفيليّات السياسية اللتي تقود تلك المجاميع من الناس باستغلال حاجاتهم الأساسية(مرض – معيشة - مسكن مناسب...الخ) ، حتى تعدتها الى حاجات كمالية ، وما قضية اسقاط القروض سوى مثال صارخ على ذلك.


يعلم الجميع بأن الدستور قد كفل جميع الحاجات الاساسية لكافة الشعب ولكنها العدالة الاجتماعية المغيبة.


نأتي الآن الى السبب الثاني

وهو انعدام مبدأ تكافؤ الفرص ، ويكفيك عزيزي القارئ نظرة سريعة على اسماء الوزراء خلال الثلاثين سنة الماضية ، حتى تكتشف أن المبدأ الرئيسي لإختيار الوزراء والمسؤولين الكبار يقوم على مبدأين رئيسيين هما العلاقة الشخصية اللتي تربطهم بمن اختارهم ،والسبب الآخر والأهم هو انهم من المطيعين ، والذي أقصى مايقولنه:حاضر طال عمرك...؟؟


هذين السببين جعلا النخب الفكرية (إن وجدت) تنزوي على حالها ، فتفتيت الدوائر جعل الغوغاء والطفيليّات هي اللتي تكون في المقدمة ،وتكون الخدمات وسطوة المال هي القائد لها ،وانعدام تكافؤ الفرص طحنهم تحت وطأة الانكسار النفسي وتقييد حريّاتهم مما جعلهم يندثرون.


قد يقول قائل إن الدوائر قد تم تعديلها وأنها اصبحت الآن أكبر وأشمل.
حقيقة لست من المتشائمين ولكن واقع الحال يقول :هل يصلح العطّار ما افسد الدهر؟؟


قد يكون تعديل الدوائر مدخل للاصلاح ولكنه ليس الاصلاح المطلق ، فالتخريب المتعمد للنفوس بلغ مداه حتى أصبحنا نتـندر على أهم شيء يجمعنا ،ألا وهي الوطنية


والباري عز وجل يقول في محكم تنزيله " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"


نحن بحاجة الى ثورة فكرية تصلح نفوسنا قبل أن تصلح أحوالنا ، ثورة قكرية لا تجمعها المصالح الضيقة ، ثورة فكرية تكون الحـرية اساسها ، ثورة فكرية بعيدا عن طبقة سياسية فاسدة اداريا وماليا حد الثمالة ،ما احوجنا الى ثورة فكرية يجمعها حب الكويت وأهلها أولا وثانيا وثالثا وأخيرا.


أنا هنا لا ابحث عن فلاسفة ، وإنما أبحث عن فكر مستنير يقوم على مبادئ بسيطة ، تقوده العزيمة وحب هذه الأرض.

وللحديث تتمة

نقطة شديدة الوضوح:

إن النخب الفكـريّة لها موقع الـريادة في تقـدم الأمم ، وهي اللتي تكون المحرك الأول للتغيير ،وتكون من مسؤوليّاتها الأساسية تشخيص المرض بعيدا عن النزعات المتعصبة والمتطرفة والمصالح الآنية ، ووضع الحلول المناسبة لأستنتاجاتها المنطقية ، ومن ثم الترويج لها ، لأصلاح حال وانقاذ وضع غلب عليه طغيان المادة والمصالح الضيقة