الاثنين، 23 مارس 2009

جانب من معركة الصامتة


كثيرا ما حدثني والدي حفظه الله عن معركة الصامتة والتي حدثت في عام 1973 بعد أن حاول العراق إحتلال أحد المراكز الحدودية للكويت ، حديث والدي الدائم عنها كان لأسباب كثيرة منها أنها حدث جلل في حينه وهو العسكري السابق في الجيش ، وأيضا لمعرفته الشخصية بالشهيد سعود فهيد السهلي عوضا عن معرفته البسيطة بالشهيد الآخر زعل رميح الظفيري


مساء أول من أمس جئت لوالدي أخبره بأن اليوم يصادف أحداث معركة الصامتة وقد كان جالسا عنده زوج خالتي وهو أحد الذين شاركوا في عمليات الاسناد فيما بعد..وقد كانت بالنسبة لي صدفة جميلة


قال والدي بعد أن سمع الخبر:الله يرحمهم ، كانوا رجال وشجعان ، ولا استغربت لما جتنا الاخبار تقول إن اللي قاوم في ذاك اليوم واستبسل هم سعود السهلي وزعل بن رميح...مثواهم الجنة

فقلت لوالدي ممكن تعيد لي شريط الذكريات من جديد

قال:إن حضر الماء بطل التيمم ، هذا خالك موجود وهو من اللي واكبوا أحداثها بالاضافة الى معرفته القوية بالشهيد زعل الظفيري ، فأنا يابوك لما صارت الاحداث كنت عائدا للتو من الجبهة المصرية مع كتيبة الجيش الكويتي المرابط حينها على الحدود المصرية ، وحين وصولنا تم اجازتنا لمدة اسبوعين للعودة من جديد الى مصر ، مع العلم أنني حينها مصاب بكسر خفيف في القدم ، ولما اتصلنا بالقيادة أبلغوا كتيبتنا بعدم الاستدعاء حيث قاموا باستدعاء كتائب أخرى


فكان الحديث مع الخال وبعض المداخلات من الوالد أود أن أسجلها هنا لأنني قبل سنة أو أكثر بحثت من خلال النت عن معركة الصامتة ولم أجد إلآ موقع أو اثنين ذكروها بالاسم دون الشرح الموجز


يقول الخال التالي:مركز الصامتة بالاساس هو عبارة عن مرتفع أو مايسميه أهل البادية (ضلع) وخلفه منطقه منخفضه توصف بالـ (بحره) ويوجد بها مركز الحراسة الرئيسي ، وقد كان رجال اللاسلكي يذهبون من المركز الرئيسي الى المرتفع لالتقاط الاشارات الصوتية أو بمعني آخر يتنصتون ، لذلك سمّوا عذا المرتفع بــالصانتة ، ولكن قد تكون تسمية الصامتة أتت من حالة الهدوء التي تعتري هذا المرتفع


وأكمل الخال حديثه قائلا أن المركز المقصود كان جديدا ، وقد كان عبارة عن خيام وغرفة من الشينكو لرجال اللاسلكي الى حين تجهيزه ، وكان يقابل هذا المركز المؤقت لواء عسكري عراقي بكامل معداته ولايبعد عنه سوى مسافة قصيرة جدا


بعد أيام من قيام هذا المركز جاء إليه أفراد من الجيش العراقي يتقدمهم عسكري برتبة كبيرة وقام بتهديد ضابط المركز الكويتي وطالبه بأن يخلي الموقع وإلآ سيتم إخلاؤه بالقوة ، فقام هذا الضابط بعد التهديد والوعيد بالذهاب الى قيادة الداخلية ومقابلة اللواء الثويني الذي عنّفه بشدة وقال له:إنت خايف إنت جبان الخ الخ الخ

قام بعدها اللواء الثويني وطلب حضور الضابط سعود السهلي الذي يعرفه شخصيا ويثق به فقال له: أريد منك أن تتولي قيادة أحد المراكز الحدودية ، فوافق الشهيد السهلي وطلب من اللواء بأن يسمح له باصطحاب العريف زعل رميح الظفيري إلى
موقع عمله الجديد لأنه يثق به ويعتمد عليه وبينهم علاقة صداقة قوية ...فوافق اللواء الثويني فورا ولم يرد طلبه

استلم سعود السهلي قيادة المركز ، وكان برتبة ملازم أول

يقول الخال: كان عدد الرجال في المركز عبارة عن فصيل عسكري أي بحدود ثلاثين رجل ، لايكون جميعهم موجودين بوقت واحد وإنما نظام المناوبة (الشفتات) ، بعد يومين أو ثلاثة من استلام السهلي للمركز وفي منتصف ليلة العشرين من مارس والناس أغلبهم نيام بدأ الغدر

حيث قامت القوات العراقية بالتحرك عسكريا من لوائهم القريب من المركز ، وقد استعملوا في بداية هجومهم قذائف الهاون والاسلحة الثقيلة على كلا المركزين ، المركز الرئيسي ومركز الصامتة ، المشكلة أن الاسلحة التي بيد رجال مركز الصامتة قليلة وهي من النوع الخفيف ، مسدسات صغيرة وبنادق غير آلية ورشاش آلي واحد فقط

بشهادة جميع من كان موجود ومن عاش أحداث هذه المعركة فإن الشخصين الوحيدين اللذان استبسلا في هذه المعركة والذان قاما بالمقاومة الشديدة واطلاق النار هما الشهيدين سعود السهلي وزعل بن رميح

علما بأن الشهيد سعود السهلي كان يستخدم سلاحه الرشاش الصغير والشهيد زعل كان هو الذي يطلق الرصاص من الرشاش الآلي الوحيد أمام كتيبة عسكرية متكاملة قادت الهجوم علي المركز الكويتي

بعد اشتداد اطلاق النار سقط أولا الشهيد السهلي وبعده بأقل من دقيقة لحق به الشهيد الظفيري ، بعدها قام الباقون من أهل المركز بالتراجع الى المركز الرئيسي الواقع خلف مركز الصامتة والقريب منه ، والذي لم يسلم أيضا من قذائف الهاون حسب ماقال الخال

احتل بعدها العراقيون مركز الصامتة وأسروا أحد رجال المركز وكان من رجال اللاسلكي ، وتوقفوا بعدها عن التقدم


يقول الخال بدأ بعدها استدعاؤنا وبقية أفراد الجيش الكويتي ، وتم الانتشار والتمركز في الحدود الشمالية على شكل خطوط متوالية لاسترجاع المركز المحتل....
باقي الاحداث والتحركات كتب عنها د.ظافر العجمي بدراسة نشرتها جريدة الآن وجريدة الوطن ، وإن كنت أفضل قراءتها من خلال جريدة الوطن لأنها نشرت الدراسة بالكامل

وللأمانة فقد سعدت كثيرا عندما علمت بأن هناك دراسة نشرت حول المعركة كتبها د.ظافر العجمي ، وذلك للأهمية التاريخية لهذه المعركة ، أتمنى من أي شخص يعرف معلومات عن الدكتور العجمي أن يزودني بها مثل وسيلة التواصل معه ، لسبب معين


تذكير

مع أن الشهيدين السهلي وابن رميح قاوما باسلحة خفيفة قوات آلية عسكرية مجهزة ومستعدة للهجوم الغادر فإن عدد القتلى العراقين كان اثنين بالاضافة الى عدد أكثر من المصابين ، يقول الخال أن يدي الشهيد ابن رميح كانتا معكوفتين ، وهذا يدل على أنه كان ممسكا بالرشاش الآلي الكبير نسبيا



قال لي والدي ذات مرة:الناس ماتفقد إلآ الانسان الطيب والكريم والشجاع ، فما بالك إن كان هذا الطيب والكريم شهيد في سبيل الوطن



ملاحظة
حاولت الايجاز قدر استطاعتي لأن هناك دراسة نُشرت ، وقد كنت أود نقل أحداث تفصيلية لم تشر إليها الدراسة لنتذكر ونستذكر شهداء رسموا بدمائهم الطاهرة عظمة الدفاع عن الوطن والاستبسال عن أرضه حتى لو كانت أشبار معدودة



أسأل الله جل وعلا أن يتقبلهم شهداء ويرحمهم بواسع رحمته وجميع شهداء هذا الوطن الغالي


صورة للمسيرة التي احتضنت شهيديْ المعركة-المصدر