الاثنين، 5 أكتوبر، 2009

فرنسا...للفرنسيين !؟




النظرة العنصرية هي نظرة عالمية ، كانت -ومازالت- موجودة عبر التاريخ القديم والمعاصر ، تخبو في أحيان وتطفو في أحيان أخرى ، وعلى المستوى الشخصي فإني أعتبرها وجه من أوجه الديمقراطية لابد أن يكون ظاهرا وبارزا ، وهي في أحد زواياها تعتبر ايجابية!ء


فالعنصرية ملازمة لأي مجتمع ديمقراطي - أو شبه ديمقراطي- ، وجودها ضروري لتبيان خطرِها ، ويجب أن يتم استيعاب حالة التشدد اليمينية كحالة اجتماعية قبل أن تكون سياسية ، فهي تطغى حاليا على أغلب الدول الديمقراطية العتيقة فما بالكم بالحديثة منها


لكن يوجد فرق جوهري بين
الدول الديمقراطية العتيقة وبين الدول الحديثة ديمقراطيا-إن جاز التعبير- ، هناك في العتيقة يسمّون الأشياء بمسمياتها الصحيحة ، والتي تعطي توصيفا مختصرا- دون رتوش ودون زخرفة خاوية- للمصطلحات الحقيقية ، أمّا عندنا فالعنصريين يتخفّون خلف الكثير من المصطلحات الرنّانة ، كأن يدّعي العنصري أنه ديمقراطي أو ليبرالي أو وطني-رغم تحفظي على هذا المصطلح الأخير- ، على سبيل المثال فلنأخذ فرنسا كنوع من المقاربة المصطلحية

الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يعتبر من يمين الوسط ، هذا اليمين استطيع أن أصفه بأنه الحالة الهلامية مابين العنصرية ومابين الليبرالية! ، فساركوزي يُظهر عنصريته على العلن وبنفس الوقت يضع قدما في منهج الليبرالية ، ولكنه لايخفي يمينيّته!ء

عندنا في الكويت الكثير ممن هم على شاكلة يمين الوسط...الكثير الكثير ، ولكن الفرق أنّ من هم بين ظهرانينا يخفون يمينيتهم ولا يعلنوها على عكس ساركوزي


على النقيض منه تأتي الرقيقة سيغولين رويال ، مرشحة الحزب الاشتراكي الفرنسي لانتخابات الرئاسة الفرنسية في 2007 ، وليتها نجحت بدلا من ساركوزي ، حيث كان نجاحها سيحقق نوع من التوازن داخل المعادلة الأوربية المتجهة ناحية اليمين بكل جموح

المدموزيل-وليس المدام!-سيغولين تعبّر عن وجه الاشتراكية الذي يتخطّى عنصرية اليمين ويتجاوزها...في الكويت مازال عندنا نفرٌ قليل بعيد جدا عن العنصرية



نأتي الآن للشخصية الأهم وهو جان ماري لوبان رئيس حزب الجبهة الوطنية والذي يعتبر الوجه الناصع لليمين المتطرف في فرنسا ، عنصري من النوع النقي ، يجاهر بعنصريته بكل أرْيحية ، بل جعلها ركيزة أساسية في برنامجه الإنتخابي خلال آخر دورتين في انتخابات الرئاسة الفرنسية ،عام 2002 وعام 2007

من أقواله:"فرنسا للفرنسيين "،،،،،ويقصد هنا الفرنسيين ذوي الشعر الأشقر والبشرة البيضاء وليس كل الفرنسيين

ومن أقواله أيضا مصطلح:"الفرنسيين الأجانب"،،،،ويقصد بها الفرنسيين من الجيل الثالث! الذين هاجر آباؤهم الى فرنسا قادمين من افريقيا ومن المغرب العربي


بهذه المصطلحات والتلميحات العنصرية حقّق السيد جان ماري لوبان مفاجأة في انتخابات العام 2002 بأن صعد للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية بعد أن أطاح بجوسبان مرشح الحزب الاشتراكي! ، ولولا أن توجهت أصوات الاشتراكيين لجاك شيراك لكان السيد لوبان-رأس اليمين المتطرف- سيداً لقصر الإلزيه بفضل مصطلحات عنصرية خالصة كـ: فرنسا للفرنسيين و الفرنسيين الأجانب


النفس العنصري ومايتبعه من مفاهيم ومصطلحات وتعريفات وتقسيمات تشق المجتمع ووحدته وتقسّمه لكانتونات متناهية في الصغر أمر موجود في جميع المجتمعات ، وكثير من المتسلقين واللاهثين خلف بريق السلطة والمال يستغل النزعات العنصرية الكامنة في سويداء قلوب الضعيفين من أبناء المجتمع ليصل إلى مبتغاه

شخصيا...ليس المطلوب مني أن أهاجم هؤلاء المستغلين أو من صفّق لهم واتبعهم بإحسان أو بغير إحسان! ، إنّـما من الأجدر بي أن أبحث عن نواة المشكلة؟ وأين تقع؟ لتستمر بعدها مرحلة البحث عن الحلول التي قد تجد صداها وقد لاتجده ، وهذا الأمر الأخير لست من يتحكم فيه إنما منحى المجتمع هو الذي يتحكم به حينها

وماذكرته عن العنصرية ينطبق تماما على الطائفية

انتهى


ماكتبته أعلاه هو حديثي أول من أمس لصديقي الذي طرح موضوع العنصرية في الكويت بعد لقاء أجرته إحدى القنوات الاعلامية مع أحدهم ، فحاولت إفهامه من خلال هذا السرد أن العنصرية والإقصائية والإلغاء هي أحاديث ليست بجديدة على التاريخ البشري الحديث والمعاصر ، وطلبت منه أن لا يتأثر بهذه الأحاديث والمقابلات ، فإن تأثر بها سيتجه للضفة الأخرى من العنصرية المقابلة بعد أن تتقلص خياراته ناحية تفهّم الآخر وتقبله


وقلت له في خاتمة الحديث:اترك العنصريين للعنصريين ، فهم سيتصادمون فيما بينهم إن عاجلا أو آجلا ، لذلك ففكر معي أصلحك الله وإيّاي مالذي سيحدث بعد التصادم؟ ، وكيف السبيل لإحتواء مابعده؟ ، وأين ستكون السلطة بعد ذلك؟ ، وماهو شكلها؟ ، وهل سيتحلحل المجتمع أم سيتصدع فقط؟


هامش جغرافي

عندنا في الكويت ، أهل المدينة يروْن أنفسهم المواطنين الأصليين ، وأهل البادية يروْن أنفسهم المواطنين الأصليين أيضا ، مع أنك لو نظرت للخريطة الجغرافية فستجد أن المدينة والبادية كيان جغرافي يشكّل في مجملة دولة اسمها.....الكويت


فليست المدينة دولة! وليست البادية دولة! ، ولكن...كيف تقنع العنصريين بهذه المعادلة البسيطة؟

الإجابة:لن يقتنعوا

إذاً....فليتصادموا مع بعضهم البعض ويريحونا من عناء الإقناع ولْجلجاتِه



والله المستعان