الأربعاء، 14 أكتوبر، 2009

ثقافة الله بالخير!؟




والدي-شافاه الله وعافاه- رجل بدوي التحق بالجيش الكويتي سنة 1960 ، حينها لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة إلآ شيئا يسيرا جدا جدا ، ولك أن تتخيل "يتأتأ وينتّع ويالله الخيره" ، في سنة 1966 اصدر الجيش الكويتي فرماناً-اختياريا وليس إجباريا- لمن يود أن يدرس ويتعلم في المساء من خلال المراكز التعليمية التي ترعاها وزارة التربية ، فكان والدي العزيز ممن ذهب اختيارا ليتعلم ، جلس سنة وهو على ذلك


في سنة 1967 أصدر الجيش فرماناً-إجباريا هذه المرة- لمحو أمية أفراد الجيش الكويتي ، وتكون الدراسة تحت اشراف وزارة الدفاع -وليس التربية- في إحدى المباني التعليمية القريبة الآن من منطقة الدوحة بعد أن يجمعوا أفراد الجيش بــ"لواري" ويذهبوا بهم للمدرسة من بعد صلاة العصر مباشرة

استمر والدي في هذا إلى أن نال شهادة رابعة ابتدائي ، والتي تعادل حاليا "شهادة الماستر" في العلوم العسكرية...هذا من باب الدعابة مع الوالد حفظه الله حينما يدير شريط الذكريات


لماذا أسرد هذا الكلام؟

ماذكرته أعلاه هو لتبيان أن والدي ومعلمي

أ-شخص بدوي قُح من بيت الشعر إلى بيت الطابوق مباشرة
ب-عسكري نظامي يؤمن بالتراتيبيّة والأوامر ، يصدح في كل نهار:الله الوطن الأمير
ج-انسان أمّي ولم ينل شهادة الرابع ابتدائي إلآ بعد أن تجاوز سن الثلاثين بسنوات


هذه العوامل الثقافية تجعل من السهل علي أن أتقبّل أن يكون والدي مؤمن بدولة الراعي والرعية ، وأن أمير العشيرة هو سيّدها ولاينازعه في الُملك أحد!؟


لكن....أن يأتينا شيخ بلغ من العمر عتيّا في التعليم ، ونهل من الثقافة ما نهل ، ورأى من الأمم ما رأى ، وعاشر من الحضارات ما عاشر ، ومارس من الديمقراطية ما مارس ، وشاهد من تجارب الشعوب ما شاهد ، يتغنّى بالنظام والدستور والقانون ، ينبذ العشائرية في صبيحة كل نهار ، ويدعو لليبرالية في عشية كل مساء


وفجأة....تراه لايختلف عن رجل: بدوي عسكري أمّي كان يسكن في خمسينيات القرن الماضي في بيت شعر

هنا تتيقن بأن الجزء الطافي على السطح من مثقفينا ماهم إلآ أسرى للموروثات القبليّة! ، يرون أنفسهم الأعلوْن ، وماهم إلآ رعيّة في حضن راعي ، يدّعون التحرر والحرية ولم يحرروا أنفسهم من قيود دولة العشيرة


قبل يومين بالضبط....كنت أؤمن بأن المجتمع في المقام الأول يحتاج:لإعادة صياغة ثقافته أو إعادة تأهيل ثقافي ، لكن....الآن أجدني أشد ايمانا بأن المجتمع يحتاج أولا:لتطهير نفسه من المدّعين



والله من وراء القصد




هامش اسجله للذكريات

والدي شافاه الله وعافاه ، صحيح أنه ما تعلم إلآ متأخرا ، لكنه ما انفك إلآ ويحثني وأخوتي على القراءة مذْ كنّا طريّي العود ، حتى أنني اتذكر أنه يجعلنا نتسابق على من يقرأ الجريدة عليه ليفوز بنصيب وافر من المصروف ، كذكاء منه أن نعوّد اللسان على قراءة الكلمات

في الإبتدائي والمتوسط ، وحينما أقول له: غدا سنذهب لمعرض الكتاب ،،، يعطيني مبلغا من المال لا أحلم بأن أجمعه حتى في العيد!؟

كثيرا ماردد على مسمعي هذه الجملة:"إقرا وأنا أبوك إقرا ، ولاتقول اكتفيت"....هذا ماعلمني إيّاه هذا البدوي حتى صار يتقبّل تمرد افكاري وصعلكتها على القبيلة والدولة والثقافة السائدة ، أما المدّعون فعند المحك يُظهِرون ماكانوا يُبطِنون


ملاحظة

إن كتب الله لنا فسأتحدث في يوم ما عن ردة فعل والدي بعد أن اتصلت "صعلوكة" على بيتنا-قبل الزواج بسنوات طبعا- طالبةً من والدتي أن توقظني من النوم لأن عندي امتحان بالكلية:"بليييز قعديه ياخالة"!!...يا كبرها عند ربي.."بليييز".. ، لو قالت:جزاج الله خير قعديه....أظنها أهون من ابلييز!؟