الخميس، 5 نوفمبر، 2009

قضية الشيك....والمواءمة السياسية





عالم السياسية تحرّكه مجموعة من المبادئ والمفاهيم والمصطلحات ، بعضها ثابت ، وبعضها الآخر متحرك لتجعل للسياسة مساحة رحبة من المناورة والمحاورة والمجاوبة ، علما بأن المناورة ليست سلبية في حدها المطلق ، إنمّا تفتح مجالا رحبا للتفهامات حول إشكاليات مرحليّة قد تُفضي إلى نتائج مريحة مجتمعيا وذات فائدة للدولة كمنظور بعيد في تماسكات مؤسّساتها وعدم انفراطها على وقع الأحداث المتتالية


ومن المبادئ التي تحرك الأحداث السياسية وتُتّخذ على أساسها المواقف الرئيسية مبدأ "المواءمة السياسية" ، هذا المبدأ في المجتمعات الناضجة ثقافيا لا يستطيع السياسي القفز عليه أو تجاوزه! ، وكثيرا من يخلط في هذا المفهوم وفي ماهيّته؟


المواءمة السياسية -كتعريف استنبطته وقد أكون مخطئ- هي:توافق فعل رجل السياسة مع الحدث الحاصل في المحيط السياسي الخارجي له ليتكيّف معه ، أي: رد الفعل المناسب لرجل السياسة تجاه الحدث الواقع ، هذا التكيّف في المواءمة تحرّكه مفاهيم أخلاقية وأعراف قد لاتكون مكتوبة لكنها مفهومة ومقبولة من جميع الأطراف اللاعبة سياسيا ، وقد تعتبرها هذه الأطراف خطوط حمراء لايمكن تجاوزها ، إن لم يكن من المستحيل


السؤال الذي يطرح نفسه:أين تكمن العقبات الرئيسية في سريان وتفعيل مبدأ "المواءمة السياسية"؟


الجواب:في المجتمعات اليمينيّة يضمحل هذا المبدأ ولايكون له اعتبار! ، لأن هذه المجتمعات اليمينية لها مبررات عنصرية تحاول من خلالها القفز على المفاهيم السياسية بأعذار تصل أحيانا إلى مرحلة التفاهة والخواء الفكري السقيم! ، فالنظرة اليمينية غالبا ماتتجاوز الأخطاء الكبيرة لتحقيق مكسب آني ، النظرة اليسارية من جهة -وكذلك النظرة الليبرالية- تقف مليّا أمام الأخطاء الكبيرة ولا تتجاوزها إلآ بعد أن تتم المحاسبة ويسقط الضحايا لتعيد الحسابات من جديد


واتذكر هنا جيدا في شهر ديسمبر من العام 2007 في مدونة أم صده أن كتبت مطالبا بإستقالة الوزيرة الصبيح من باب "المواءمة السياسية للحدث" ، حيث لم يكن يهمني ذاك الحين أن أكون مع الاستجواب أو ضده ، رغم توصيفي للاستجواب بأنه لا يرقى للمساءلة ، ولكن الإصطفاف العنصري من قبل جموع الطرفين جعل أي مطالبة منطقية تكون تحت بند: إمّا عنصري أو قبلي أو أو أو....إلى آخر هذه التصنيفات الجاهزة...والمضحكة


في قضية الشيك الذي كشف عنه النائب فيصل المسلم اتجه بعض من الجمهور إلى البحث عن مبررات و أمور غريبة ومواضيع ثانوية قياسا على الحدث الرئيسي في محاولة منهم لخلق بلبلة سطحية تغطّي على جوهر المشكلة الأساسية


فمن المعلوم في دنيا السياسة أن
كل حركات وتحرّكات رأس السلطة التنفيذية تُعتبر ذات بعد سياسي لا يمكن فصلها تحت أي ذريعة انسانية أو أخلاقية -إلآ إن تمت بشفافية وأمام الجمهور- فما بالنا إن كانت هذه التحركات هي إعطاء مبالغ مالية لأعضاء في البرلمان ، والذي من مهامهم مراقبة أعمال السلطة التنفيذية ومصروفاتها وتجاوزاتها!! ، هنا يكون الأمر مشكلة كبيرة أو بتوصيف أكثر دقّة:فضيحة سياسية لاتبقي ولاتذر ولاينفع معها لاعذر ولاسبب


لو....حدث هذا الأمر في مجتمع ناضج ثقافيا فإن أقل الخسائر هو أن تنهار الحكومة وتستقيل عن بكرة أبيها! ، ولكن بما أننا في مجتمع تكثر فيه الإصطفافات اليمينية -عنصريةً كانت أم طائفية- فإن الأمر يصبح مختلفا بل مشوّها إلى درجة المسخ ، إضافة إلى هذا كله هناك عناصر أخرى كعنصر المال وشراء الولاءات بأنف الدينار ، وتداخل المصالح التجارية


هذه الأمور أعلاه جعلت عدد لا بأس به من الجمهور يفتح جبهات ثانوية لا علاقة لها بالشق السياسي من الحدث ، مثل تصريح الدكتورة رولا دشتي بأن يتجه النائب المسلم للنيابة! ، وتصاريح أخرى مضحكة!!ء


طبعا الشق الجنائي والإتجاه للقضاء سيسقط لإعتبارات قانونية ، ولكن الدكتورة دشتي تعلم علم اليقين بأن قاعة عبدالله السالم ليست ساحة للقضاء والتحقيق الجنائي إنما ساحة سياسية تتداخل بها الصراعات المباحة في عالم السياسية


ختاما

في الديمقراطيات العتيدة فإن حادثة كحادثة الشيك كفيلة بإعدام رئيس الحكومة ووزرائه سياسيا دون الحاجة للتلويح بالقضاء والقانون والدستور! ، ولكن هي المصالح الضيقة التي جعلت البعض الكثير يرمي خلف ظهره مبادئ سياسية أصيلة في عالم السياسية
ويقفز فوقها


عذرا دكتورة دشتي ولكل من قال قولكِ وأيدك ، فألاعيب التوجه للقضاء مكشوفة ولا تتواءم سياسيا مع الحدث


والله المستعان