الاثنين، 18 يناير، 2010

مغزل العين




تاريخ آل رشيد -حكّام حائل- مليء بالكثير من القصص والعبر ، حكايا أمراء آل رشيد خاصة فيها الكثير من الشجاعة والشعر والغزل والحكم ، لم أجلس يوما بجانب أحد كبار السن إلآ وسمعت منه حكايا وأشعار تطرب صعلوك متلهف للعشق دائما كمثلي البسيط


في فترة من الفترات في أعوامٍ خلت جلست أقرأ قراءة تاريخية سياسية لهذه الدولة كنوع من الإطلاع والتحليل الجيوسياسي منذ نشوئها إلى فنائها وانتهائها على وقع هدم قصر برزان وجعله أطلالاً وبقايا حجارة....."قصر بَرْزان" هو قصر الحكم في دولة ابن رشيد


وحقيقة من يعرفني عن قرب يعرف أنني أقدر كثيرا وأحترم رجال ابن رشيد ، لأسباب كثيرة لامجال الآن لذكرها


تاريخ دولتهم مليء بالصراعات الداخلية! ، في بداياته كان هادئ الوتيرة وخالي من أي صراعات داخلية وفي آخره كثرت الصراعات وكثر التهميش ، والقتل كان له نصيب وافر بين بعضهم البعض! ، مع التنبيه هنا أن هذه الصراعات الداخلية كانت تتحرك في محيط خارجي ساخن ومتغير ومتسارع وملتهب بالمعارك المتصاعدة ناحية إعادة تشكيل خارطة دول المنطقة-شبه الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام ككل- وانتهاء امبروطوريات وصعود امبروطوريات أخرى ، وأقصد هنا الإمبراطوريتان العثمانية والبريطانية


قد اتحدث لاحقا عن القراءة التاريخية والسياسية لدولة ابن رشيد من ناحية تحليلية ومحاولة التعرف عليها من الداخل أكثر علّ أن يجد المار من هنا فيها إفادة لكيفية نشوء الدول ومن ثم انتهائها!؟ ، خاصة وأن التركيبة السياسية والإجتماعية متشابهة كثيرا إن لم تكن متطابقة مع دول المنطقة


مايهمني اليوم هو حادثة جميلة حدثت لمؤسس دولة ابن رشيد وهو: عبدالله العلي الرشيد ، هذه الحادثة ماجلست مع أحد الشيبان من أي قبيلة-جنوبية أو شمالية- إلآ وحدّثني عنها وعن قصيدتها ، الكل يعرفها ويتناقلها كحكاية جميلة ورقيقة وعذبة


كان حكّام حائل هم آل علي ، وهم أبناء عمومة آل رشيد ، والإثنان ينتميان إلى قبيلة شمّر الكريمة ، عبدالله العلي الرشيد أبدى تذمّرا من حكم آل علي بسبب ظلم ما أو طمعا في الحكم ، وبدأ الناس يلتفون حوله ، علِم حاكم حائل بهذا الأمر وأصدر أمره بالقبض على عبدالله الرشيد ليتم اعدامه ، ولكن علم عبدالله الرشيد بهذا الخبر ليلا عبر أحدهم فأتخذ قرارا من فوره بالهروب من حائل


ولّما كان القرار سريعا ولحظيا قرر الهرب مشيا على الأقدام حتى لايتتبعون أثره إن كان على ظهر الخيل ، وكان في معيّته عبده وخادمه حسين ، حاولت زوجته منيرة الجبر الشمري الذهاب معهم ، فنهاها عن ذلك حتى لاتأخرهم خصوصا وأنها حامل في شهرها الأخير


حينما خرجا في سواد الليل وبعد أن تعدّيا مدينة حايل بكثير وعند الجبال الوعرة التي تقع في شمال حائل ، انتبه عبدالله الرشيد وحسين إلى أن هناك شخصا يتبعهم في ظلمة الليل ، فخافا أن يكون أحد حراس حاكم حائل يضع أثرا ليتبعه الجنود فيما بعد


قام الرجلان بنصب كمين سريع ليمسكا بهذا الذي يتبعهما ، وعندما نجحا في الإلتفاف عليه وإذا بهذا الذي يتبعهم هي منيرة زوجة عبدالله ، غضب ابن رشيد من فعلتها ولكن لم يكن في اليد حيلة ، فلايستطيع ارجاعها إلى حائل حيث الحكم بالموت ، ولايستطيع أن يتركها في هذا العراء الموحش ، فقرر مكرها أن تكون معهم في رحلة الفرار الوعرة


حينما خرجت منيرة الجبر خلفهما كانت حافية القدمين ، إمّا من العجلة أو خوفا أن تلبس شيئا فيسمعا صوت وقع خطواتها وينتبهان لها باكرا ، المهم...أثناء مشي الثلاثة هاربين لاحظ ابن رشيد أن زوجته بان عليها التعب ، وانتبه أنها تعرج لوعورة الجبال ولعدم لبسها حذاءا وهي التي لم تعتد على ذلك بسبب حسبها ونسبها الرفيع


حنّ قلب عبدالله الرشيد على زوجته وهي بهذا المنظر فزال الغضب عنه ورقّة حواشيه ، وانشد وهو الشاعر الفطحل أبيات ما انفككت ارددها ليالٍ طوال حينما تخيّم ليالي الصعاليك على جلساتي مع الأصدقاء ، فقد قال هذه الأبيات مخاطبا عبده المخلص ورفيق دربه حسين:ء


أرم النّعول لمغزل العين ياحسين،،،وإلآ أقطع لها من رِدن ثوبك إليانه

يا حسين والله مالها سبْت رجليـن،،،يا حسين شيّب بالضمير اهكعانه

جنّب حثاث القاع واضرب لها اللين،،،واقصر إخطاك اشوي وامش بليانه

إن شلتها يا حسين ترى مابها شين،،،ترى الخوي يا حسين مثل الأمانه

ما يسْتشك يا حسين كود الرديّيـن،،،وإلآ ترى الطيّـب وسيـع(ن) ابطانه

لابد ما حنّا عـن الضلـع مقفيـن،،،ولابد مـا ناطـا النفـود وليانـه


اهكعانه:كناية عن مشيتها وهي تعرج من وعورة الطريق والتعب

أثناء رحلتهم الطويلة جاءت الولادة لمنيرة ، فطلب ابن رشيد من عبده أن يساعدها ، وانجبت منيرة ولد صغير وجميل


هذا الولد الذي تمت ولادته في رحلة الهروب هو:"متعب" الرشيد ، والد عبدالعزيز ، وتحديدا "عبدالعزيز المتعب الرشيد" أشهر وأقوى حكّام ابن رشيد والملقب بـ:الجنازة ، والذي اسقط الدولة السعودية الثانية بعد هروب عبدالرحمن بن سعود وولده عبدالعزيز إلى مبارك الكبير أقوى حكام الكويت شكيمة وعزما ،،،،، طبعا الكل يعرف أن عبدالعزيز هو مؤسس الدولة السعودية الثالثة...أي الحالية

إنها الأيام....دول...وعِبَر....وحكايا للصعاليك تسعد لياليهم وتطرب عشقهم ، أو هكذا أحسبها