الثلاثاء، 16 فبراير، 2010

فرْد حمزه ودولة ابن رشيد



 

من منّا لم يسمع بالمثل القائل:"فرْد حمزه...ثاير ثاير" ،،،،، خلف هذا المثل تقبع حكاية بداية زوال دولة وقيام دولةٍ أخرى ، خلفها تقبع حكايات مسبوغة بالخيانة والدم بين الإخوان وأبناء العمومة للإستيلاء على الحكم! ، وهي الأيام التي تنضح بحكايا الدول ونزاعاتها الداخلية والخارجية


بعد كتابتي لموضوع مغزل العين وقصة عبدالله العلي الرشيد وزوجته منيرة الجبر طالبني بعض الأحبة بالكتابة عن مثل هذه الحكايا التي فيها عِبر ، وسأتحدث اليوم عن قصة: "فرد حمزه" والتي من نتائجها أن نشأت وقامت دولة ابن رشيد في حائل على يد مؤسسها عبدالله العلي الرشيد وأخيه عبيد العلي الرشيد....على فكرة،،،اسم عبيد ينطق هكذا:أُعْبيد ، مع تضخيم الباء بلكنة شمريّة جميلة...وعبيد الرشيد فيه ميزة غير الشجاعة والحكمة وهي ميزة الشعر-رغم أن حكام آل رشيد جميعا يتميزون بالشعر- ، فشعره من نوع آخر يطرب القلب والعقل حين سماعه لحكمته ولعذوبته وهكذا أحسبه وقد يختلف معي الآخرون ، وإن كتب الله لنا سأتحدث عن عبيد العلي الرشيد بموضوع منفصل إن شاء الله



أول سؤال يتبادر إلى الذهن في هذه الحكاية:من هو حمزه؟



حمزه هو عبد وخادم وصديق مشاري بن عبدالرحمن بن مشاري آل سعود ، وكمقدمة تاريخية يجب أن نعرف أن الدولة السعودية مرت بثلاث مراحل مفصليّة: الدولة السعودية الأولى ، والدولة السعودية الثانية ، والدولة السعودية الثالثة وهي الحالية


سقطت الدولة السعودية الأولى في عام 1818م على يد الجيوش العثمانية بقيادة ابراهيم باشا وبدعم مباشر من محمد علي باشا والي مصر ، أسر ابراهيم باشا عدد لابأس به من أبناء آل سعود وسجنهم في مصر-وبتعبير أدق وضعهم تحت الإقامة الجبرية - وأُرسل آخر حكّام الدولة السعودية الأولى إلى اسطنبول حيث أُعدِم هناك ، ومن الذين أُسروا كان مشاري بن عبدالرحمن آل سعود المذكور أعلاه ،،،،، لم يستطع قائد الحملة العثمانية ابراهيم باشا أسر كل أبناء آل سعود ومن أهمهم تركي بن عبدالله آل سعود -خال مشاري- ومؤسس الدولة السعودية الثانية



قام تركي بإعادة تحالفه مع أهالي نجد وقبائلها وأهالي القصيم وترتيب نفسه لإستعادة حكم نجد واستعادة عاصمتها الرياض ، أو تحديدا قرية الدرعية مقر حكم آل سعود في دولتهم الأولى ، خلال هذه الفترة استطاع ابنه فيصل-جد الملك عبدالعزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة- الهرب من الأسر ، وألتحق مع والده تركي ، وبعد سنوات قليلة جدا قام تركي بهزيمة الجيوش العثمانية واستعادة الحكم ، وهنا قامت الدولة السعودية الثانية في العام 1821م ، أي بعد ثلاث سنوات من سقوط الدولة الأولى


قام مشاري بن عبدالرحمن آل سعود بإرسال المكاتيب لخاله تركي ، إما يشكو الحال أو -كما قيل- يستنهض خاله ليفك أسره بالحيلة أو بالمال


لما وصلت رسائل مشاري بن عبدالرحمن لخاله تركي -الحاكم الجديد لنجد- ، قام تركي وارسل قصيدة جميلة ومشهورة جدا لإبن عمه -وابن اخته أيضاً- مشاري ،القصيدة طويلة وأخترت منها هذه الأبيات:ء

طار الكرى من موق عيني وفرّا ،،، وفزّيت من نومي طرا لي طواري

وأبديت من جاش الحشا ما توّرا،،،وأسهرت من حولي بكثر الهذاري

سرْ يا قلم و إكتب على ما توّرا،،،وارسل سلامي لإبن عمي مشاري

شيخ(ن) على درب الشجاعة مضرّا،،،من لابة يوم الملاقا ضواري

يا حيف يا خطو الشجاع المضرّا،،،في مصر مملوك(ن) لحمر العتاري؟!ء

إكفخ بجنحان السعد..لا تـدرّا،،،العمر ما ياقاه كثر المداري


بعد أن وصلت رسائل مشاري وبعد أن كتب تركي قصيدته ، قام تركي بمحاولة فك أسر مشاري ، ويقال هنا أنه فك أسره بالمال والحيلة ، واستطاع مشاري الهرب من مصر


عاد مشاري إلى نجد ، وقام تركي بتوليته إمارة إحدى القرى ، بعد ذلك عزله بسبب وشاية! ، وفي أحد الأيام التي كان فيها تركي خارج الرياض حاول مشاري الإنقلاب على خاله ولكن لم يستطع بسبب إلتفاف أهل الرياض حول تركي ، هرب مشاري بعدها إلى الحجاز ، ومن ثم ارتحل إلى القصيم وطلب من وجهائها أن يتدخلوا عند خاله تركي ليعفو عنه ،،،، وفعلا عفا عنه تركي بعد تدخّل وجهاء القصيم



بعد سنوات قليلة دبّت شهوة الحكم في نفس مشاري من جديد! ، وأثناء غياب فيصل بن تركي مع الجيش -حيث كان يتواجد في الإحساء لتوسيع دولتهم الجديدة- دبّر مشاري مكيدة مع عبده حمزه لقتل خاله حاكم نجد تركي بن عبدالله آل سعود ، كانت الخطة بسيطة -مع ملاحظة أن رواية القتل أختلفت في موعدها فقط- وسأورد الرواية التي أرى أنها صحيحة


الخطة هي:بعد صلاة الفجر وحين يخرج تركي من المسجد يقوم حمزه بقتله ، يقوم بعدها أعوان مشاري بالإستيلاء على الأماكن المهمة فلا يصبح الناس إلآ ويكون أمر مدينة الرياض بيد مشاري ، الرواية الأخرى تقول أن القتل كان بعد صلاة الجمعة ، لايهم التوقيت هنا

بعد أن انتهت الصلاة ، وأثناء جلوس مشاري بجانب خاله تركي ، رأى مشاري مسواك بيد تركي ، فقام مشاري يسأل عن المسواك ومن الذي حج-اعتمر- وأتى به؟ ، أو من هذه الأسئلة العابرة والأحاديث السريعة

وقبل أن يتكلم تركي مجاوبا قام بكسر المسواك إلى نصفين وأعطى مشاري النصف الثاني! ، ودار حديث عابر بينهما

استكبر مشاري ماينوي فعله ، فهو ينوي قتل خاله والإستيلاء على الحكم بينما خاله يعطف عليه ويقسم حتى المسواك بينهما مناصفة

هَرَع مشاري إلى عبده حمزه وأخبره بأن يلغي الخطة وأنه رجع عنها ولايريد قتل خاله تركي ، ولكن حمزه أدرك أنه إن لم يقتل تركي فإن تركي سيقتله! ، لأن الخطة يعلم بها الآخرون الذين سيستولون على الأماكن المهمة بعد قتل تركي مباشرة ، والسر إن خرج عن اثنين شاع ، فما بالك والخطة يعلم بها نفر ليس بالقليل من اتباع وحرّاس مشاري

فقال حمزه لمشاري قوله المشهور الذي أصبح من اشهر الأمثال:فرْد حمزه ثاير ثاير إمّا فيك أو فيه

فأجابه مشاري بعد أنْ علِم أنّ العبد صادق القول ولن يثنّيه:أجل في تركي

وحينما خرج تركي من المسجد تلقّاه حمزه وقتله ، وبعد سويعات ومع شروق الصباح كان الحكم بيد مشاري بعد أن قتل خاله

مشاري...نسي تلك الرسائل التي ارسلها يستهنض همة خاله ليفكه من اسره! ، نسي كيف ان خاله أجابه بالقول شعرا حينما قال:سر ياقلم واكتب على ماتورّا وارسل سلامي لإبن عمي مشاري

وأجابه فعلا حينما فك اسره وأعز قدره بأن جعله أميرا في دولته ،،،، ولكنها شهوة السلطة التي جرته ليقتل خاله ويحل محله



ما علاقة قيام دولة ابن رشيد بهذه الحادثة؟ وأين كان عبدالله العلي الرشيد وأخيه عبيد أثناء حادثة قتل تركي؟....كنت أود أن أكتب بقية الأحداث اليوم ، ولكن لاحظت أن الموضوع أصبح طويل ، لذلك سأكتبها غدا إن شاء الله


ملاحظة على حبل الرسن

في موضوع مغزل العين ارسل لي بعض الأحبة ايميلات يستفسرون عن معاني الكلمات وبعض الأبيات ،،،، وللأمانة فإن السؤال منكم بمنزلة الأمر عندي ، فلا يخجلنّ أحدٌ من السؤال ، وفوق هذا سأشرح بعض ابيات القصيدة والكلمات التي أحسبها غير مفهومه


كثر الهذاري: الكلام الغير مفهوم بسبب الألم

على درب الشجاعة مضرّا: "مضرّا" بمعنى تربّى ، أي: تربّى على الشجاعة

ضواري: جمع ضاري ، في اللغة العربية هو الحيوان/الطير المدرب على الصيد وعند أهل البادية دُرج على أنّه الطير-الصقر- المدرب على الصيد


في مصر مملوك(ن) لحمر العتاري: حمر العتاري: يقصد بهم الاتراك بسبب لون بشرتهم

العمر ما ياقاه كثر المداري: "كثر المداري" هي كثرة المداراة ، وبمعنى أدق: كثرة الحرص ، فالشاعر يقصد ان كثرة الحرص لاتطيل العمر ، طبعا يقصد كثرة الحرص وليس الحرص ، فالحرص واجب حفظني الله وإيّاكم