السبت، 5 يونيو، 2010

خبرٌ وملاحظة....وحكاية جـ2

تتمة الحكاية

ب-الجيش الكويتي وحرب الاستنزاف


عند انتهاء حرب حزيران -أو حرب الستة أيام أو النكسة- بدأت عملية استيعابها كهزيمة ساحقة بكل ماتحمله الكلمة من معنى ، كانت هناك ترتيبات سياسية مصرية يعرفها الجميع ، والتي أفضت إلى انتحار-وبشكل أدق استنحار-المشير عبدالحكيم عامر وإقصاء قيادات عسكرية أخرى من الجيش ومن مراكز صنع القرار السياسي أيضا ، وبعد أخذ وشد ومن ثم استيعاب الهزيمة المذلة بدأت مصر حرب نوعية جديدة وهي حرب الاستنزاف ، ولا أود الإسهاب أكثر ، لأن حديث اليوم عن الجيش الكويتي ومشاركته لا عن النكسة وأسبابها ونتائجها ومن الملام فيها ، ولكن لمن أراد القراءة عن النكسة من باب العلم بالشيء فأظن يجب عليه المرور على وزير الدفاع
الأمريكي الأسبق مكنامارا وقصة الضوء الأخضر التي نقلها مدير الموساد ذاك الحين ، والراحل مكنامارا رجل ليس بالسهل أو كما وصف أفعاله ذات يوم المحلل الأمريكي الشهير ديفيد إغناتيوس بـ:اليقين الذي اصطدم بالحائط!ء


المهم...يقول والدي شافاه الله وعافاه أن أول رحلاته ضمن الجيش الكويتي المتجهة لمصر كانت في شهر يونيو من العام 68 أي بعد عام من النكسة بالضبط ، وحينها استكملت القوات الكويتية وجودها في مصر


والدي كان برتبة رقيب ذاك الحين ، ولكن كانت الكويت تمنح المشاركين رتبة شرفية حتى يتساوون مع الترتيب العسكري المصري ، فأعطيَ رتبة وكيل ضابط التي أهلته ليكون آمر فصيل في كتيبة المشاة الثانية ، واللواء المشارك في مصر هو لواء اليرموك-وهو لواء مجمع من اللواء 15 واللواء 36 في الكويت- وكان يتكون من ثلاث كتائب ، والكتيبة تتكون من ثلاث سرايا بالإضافة لفصيل لاسلكي وآخر للهندسة وثالث للانضباط ، والسرية تتكون من 120 إلى 150 عسكري...مما يعني أن الكتيبة الواحدة من الجيش الكويتي تتكون من 400 إلى 450 عسكري


تتبدل الكتائب فيما بينها كل شهرين أو ثلاثة -وقد تصل لأربعة أشهر- في مصر حتى يتمتع الأفراد بالإجازة بين أهليهم ، حيث تقوم الكتيبة القادمة من الكويت باستلام مهام الكتيبة المرابطة على الجبهة ليرجع أفراد الكتيبة للكويت ، وتقضي الكتيبة التي عادت للكويت نفس المدة-غالبا- التي قضتها على الجبهة كإجازة لترجع مرة أخرى إلى مصر وهكذا دواليك ، استمر هذا الحال إلى عام 1975 ، حيث غادرت آخر كتيبة أرض الكِنانة


عندما وصلت كتيبة والدي لأرض مصر عام 68 اتجهوا فورا الي مدينة الاسماعيلية حيث تمركزت سرية القيادة هناك ، أما السرية التي فيها والدي فاتجهت إلى المنطقة الشجرية القريبة من جزيرة الفرسان الواقعة شمال بحيرة التمساح من محافظة الاسماعيلية ، وقد كانت المسافة الفاصلة بينهم وبين الاسرائيلين نحو 300 متر فقط لاغير مما يجعلهم في مرمى الرشاش متوسط المدى ، السرية الثالثة تمركزت عند بحيرة التمساح وكانت أبعد عن الجيش الإسرائيلي من السرية الثانية وعسكريا لا تصيبهم طلقات الرشاشات الثابتة أو المتحركة ويستطيعون النوم ليلا،،،،مع وجود حراسة طبعا ، بعد ذلك بنحو سنتين انتقل الجيش الكويتي للبحيرات المرة وتحديدا عند معسكرات فايد ، قبل أن يرجعوا مرة أخرى لبحيرة التمساح ، بعد بحث وتمحيص فيما قاله والدي عن الانتقال من وإلى بحيرة التمساح عرفت أن هذا الإنتقال سببه معاهدة روجرز...وهي على اسم وزير الخارجية الأمريكي آنذاك





وهنا نقطة مهمة ، سرية جزيرة الفرسان وسرية بحيرة التمساح يتبادلان المراكز كل شهر أو شهرين بعد الإجازة الداخلية داخل مصر ، والإجازة الداخلية فيها الكثير من الحكايا والتي بعضها أقرب لحكايا الغزل عند بعض الشباب !ء


حين استكملت قوات الجيش الكويتي وصولها ومن ثم تمركزها في الاسماعيلية لم تكن حرب الاستنزاف قد بدأت ، بعد ذلك بشهور معدودة بدأت الحرب ، عندها والحديث لوالدي: الجبهة في الليل تشتعل وتلتهب من بور سعيد إلى أسفل خليج السويس ، على طول المجرى المائي للقناة حيث يتمركز الجيشان الثاني والثالث المصري ، من بور سعيد إلى شمال الاسماعيلية ، ومن جنوب الاسماعيلية إلى خليج السويس ، وأكثر مايشعل الجبهة هو المدفعية الثقيلة وخصوصا مدفع الهوزر الذي يشعل الجبهة ضجيجا ونيرانا -وهو مدفع روسي إن لم أكن مخطئ- من أول الليل إلى ساعات الفجر ، في الصباح إلى مابعد المغرب تكون الجبهة هادئة ولاتسمع صوت طلقة واحدة ، لابندقية ولامدفع...هدوء ولا كأن النيران كانت مشتعلة في الليل


وهنا ملاحظة ، القوات الكويتية كانت عند نقطة الالتقاء مابين الجيش الثاني والثالث المصري ، وكلمة "نقطة الالتقاء" سيفطن لها من قرأ عن "حرب أكتوبر 73" ، حيث كانت هذه النقطة هي الثغرة التي دخلت منها القوات الإسرائيلية بقيادة شارون ، والمسماة بـ:ثغرة الدفرسوار


والدي يقول:إن كنّا في جزيرة الفرسان فإننا لا ننام الليل أبدا ، جميع أفراد السرية ، بسبب قربنا من العدو ولكثافة النيران حيث تصل طلقات الرشاش لنا بكل سهولة ، ولا ننام إلآ في الصباح -مع إبقاء الحراسة- حيث الجبهة هادئة إلى مابعد المغرب


من المواقف المضحكة في الجبهة والتي يذكرها والدي وأفراد سريته أنه حينما كانت سريتهم مرابطة عند جزيرة الفرسان كان أحد أفراد السرية واسمه هليّل يأذن لكل صلاة وكان صوته مسموع وواضح عند أذان الظهر والعصر والمغرب ، أي الوقت قبل اشتعال الجبهة كالعادة ، وكان أفراد السرية ينادونه حين موعد الأذان:أذّن ياهليل ،،،، أذن ياهليل...ياهليل أذن

فيأذّن هليّل

في أحد الأيام وقبيل المغرب بدقائق معدودة والجو هادئ جدا قام أحد الجنود الإسرائيلين ينادي:أذن ياهليل أذن ياهليل...ويسمعون أصوات ضحكات

فارتعب هليل..وضحك أفراد السرية ، وقاموا يحثون هليل على الأذان وعدم الإلتفات لصوت الجندي الإسرائيلي

فسألت والدي ضاحكا:هل أذن هليل بعدها؟

فأجابني ضاحكا:قام يأذن لكن بصوت خفيف وبالكاد نسمعه ونحن بجانبه ، فأخذ يومين على هذا المنوال وبعدها ماعاد هليّل يؤذن



كانت الأسلحة التي بمعيتهم عبارة عن بنادق أوتوماتيكية ورشاشات نوع استقلال ومدفع يسمى بـ:كومبات ، وهو مدفع 150 ملّ قصير المدى يرمي قذائفه أفقيا وليس عموديا ، وكان الجيش الكويتي لا يبادر عادة بإطلاق النار وإنما يقوم بالمبادلة إن بدأ العدو بفتح النار


في أحد الأيام قام أحد الرجال المسؤولين عن مدفع الكومبات برصد لوري إمدادات اسرائيلي كهدف واضح فأطلق عليه النار وأصابه أصابة قاتلة جعلته يتناثر في السماء ، ففرحت السرية فرحا شديدا...والحديث لوالدي

قلت لوالدي معقبا:أكيد ردوا عليكم

فنظر لي والدي نظرة المستخف بالسؤال وجاوبني ضاحكا:ردوا علينا!...أنت صاحي...إلآ أحرقونا بالرمي..يوم كامل مدفعية وهاون ورشاشات بعيدة المدى ونحن لانملك سوى الكومبات ورشاش الاستقلال وبنادقنا ، ولكن الحمدلله لم يصب ولا فرد منا

بعد هذه الحادثة يقول والدي لم تعد مركبات الإمداد الإسرائيلية تسير في النهار قبالة بحيرة التمساح



الحادثة الحزينة التي مازالت عالقة في ذاكرة والدي هي استشهاد اثنين من أفراد سريتهم قبيل عودتهم للكويت بيوم واحد

يقول الوالد:حينما جاء الوقت لنرجع للكويت بإجازتنا ، كان علينا التبديل مع الكتيبة التي جاءت من الكويت ، والتبديل يكون على شكل دفعات بين السرايا ، ويستمر لعدة أيام حتى لا يرصدنا طيران الفانتوم الاسرائيلي فنكون صيدا سهلا ، حينما جاء الدور على سريتنا تم تقسيم الدفعات ، وعندما وصلت دفعتي للقاعدة العسكرية كان قد تبقى من سريتنا دفعة أخيرة تبدل مع القوة القادمة وتأتينا إلى القاعدة

ويكمل الوالد:في الصباح كان موعد عودة الدفعة الأخيرة وكانت طائرتنا ستقلع قريبا ، تأخرت الدفعة ولم تصل في موعدها ،،،، فأتتنا الأخبار أن اثنين من أصدقائنا الذين ودعناهم بالأمس قد استشهدا ، وهما:منيف دويم دخيل الله السبيعي وفلاح عبدالله العنزي ، فحزنا حزنا عميقا ورجعنا إلى الكويت نحمل الحزن معنا



حزنت مع والدي لفقدان صديقيه وزميليه ،،،، ولكن يحق لي الفخر بمن استشهدوا وهم يحملون أعلام الكويت بعيدا عن الوطن والأهل.....والأحباب



أخيرا...هناك أحاديث كثيرة قالها والدي لم أسردها كلها ، بعضها مضحك وبعضها محزن ، وسأسردها مع الزمن عندما يحين السرد ، حتى لايُبخس حق أولئك الشهداء وحق الكويت حينما شاركت بأبنائها ومالها ، وقبل أن يتركنا التاريخ كتبت ماكتبت أعلاه من أجل أن يعرف عنها كل من يمر من هنا ذات يوم ،،، ولنا لقاء في أكتوبر القادم إن شاء الله لأكتب عن الكويتيين الذين شاركوا في حرب اكتوبر واستشهدوا




هامش على الحدود السورية

لا أعلم الكثير عن الجيش الكويتي المشارك على الجبهة السورية لأن والدي كان على الجبهة المصرية ، ولكن حسب كلام والدي فقد أبلوا البلاء الحسن بسبب أن الجيش الكويتي كان يمتلك مدفعية "أبورديّن" وهي من أكثر المدفعيات تطورا في حينه ، حيث أنها كانت مدفعية متحركة ولم يستطع الطيران الإسرائيلي قصفها كما حال المدفيعة الثابتة-الهوزر- على الجبهة المصرية ، وكان قائد الجيش الكويتي في سوريا هو اللواء على المؤمن-كان رائدا حينها- وقد أثنى عليه السوريون وأفراد الجيش الكويتي كثير الثناء لفطنته ولقيادته