الأربعاء، 16 فبراير 2011

فوضى خلاقة...بعدٌ آخر



سمعت أحاديث هنا وهناك في الفضائيات وكذلك مقالات نقل لي أصدقاء بعض ما جاء فيها تربط -جميعها- ما يحدث الآن في الدول العربية بمصطلح "الفوضى الخلاقة" الذي أطلقته الكونداليزا رايس ، وتربط الحدث الغير مسبوق في الأقطار العربية بأيادي خفية جالسة في واشنطن!؛


وإني أحسب هذا تجني على حركة الشعوب في المنطقة وتطلعاتها ناحية الحرية وبناء نظم سياسية جديدة ومغايرة بالكامل للأنظمة الحالية وفيه محاولة تفريغ لجهد الشعوب ودمائها الزكية التي سالت من أجل الكرامة والحرية ومحاربة الفساد...وأشدد هنا على:محاربة الفساد


لنعد إلى الوراء قليلا وتحديدا في منتصف 2005-وسأعتمد على الذاكرة كوني لا أستطيع البحث فيما سأورده بعد قليل بسبب ضعف اللغة عندي ومن لديه اللغة فليبحث خلف ما سأقول-حينما كانت الدكتورة كونداليزا رايس وزيرة للخارجية بعد أن كانت مستشارة للأمن القومي في الولاية الأولى لبوش الابن ، في هذا التاريخ تم مقابلة السيدة رايس من قبل صحيفة الواشنطن بوست وتم توجيه سؤال لها كان معناه:هل هذه هي الديمقراطية العراقية التي وعدتم الشرق الأوسط بها والتي ستنشرونها بالمنطقة؟


في هذا التاريخ من تلك السنة كانت الفوضى الأمنية تعم أرجاء العراق

تعدلت السيدة رايس وشدة من نفسها ووضعت رجلاً على رجل ونظرت إلى السماء بنظرة تأمل ثم ارتدت ببصرها لوجه سائلها وقالت مع تنهيدة طويلة:أنها الفوضى الخلاقة وبعدها ستكون الديمقراطية والاستقرار و و و.....إلخ

هذا ما اسعفتني به الذاكرة

السيدة رايس هنا-وهذا تحليلي الشخصي-لا يُعرف عن ماذا كانت تتحدث؟....هل كانت إجابتها سياسية معتمدة على تكتيك كانت تريده واشنطن في المنطقة أم كانت ديبلوماسية للهروب إلى الأمام من أسئلة المستنقع العراقي الذي وقعت فيه الإدارة الأمريكية السابقة؟


وجهة نظري في هذا الأمر أن اصطلاح "الفوضى الخلاقة" كان ضمن تفاصيل استراتيجية واشنطن ذاك الحين والمسماة بـ:"الشرق الأوسط الكبير" التي تحولت لاحقاً إلى استراتيجية:الشرق الأوسط الجديد...وأرجو التفريق بين الاستراتيجيتين التي يخلط بينهما الكثير من الناس


الشرق الأوسط الكبير كان يعتمد على تدخل عسكري من واشنطن-"الحرب الاستباقية"- في المنطقة يفضي إلى فوضى ومن ثم تؤدي هذه الفوضى إلى ديمقراطية تعددية داخل الدولة المقصودة...فتكون خلاّقة بنتيجتها النهائية


هذه الاستراتيجية فشلت بعد تجربتي العراق وافغانستان فتغير الخطاب الأمريكي تجاه الحريات والديمقراطية في المنطقة ومن ثم بدأ الحديث يعلو ناحية استراتيجية جديدة سمّيت بـ:"الشرق الأوسط الجديد"...واعتمدت هذه الاستراتيجية على سياسة المحاور....محور الشر ومحور الاعتدال...وكان من نتائجها حشر اسرائيل في محور الاعتدال! وتشكيل اللجنة الرباعية العربية وما إلى ذلك


تاريخيا...الفوضى الخلاقة يُشار بها إلى بدايات الثورة الفرنسية وما صاحبها من فوضى عارمة في سنواتها الأولى إلى أن انتجت الجمهورية الفرنسية.....كذلك ساهمت واشنطن في إحداث الفوضى في أوربا الشرقية ضمن استراتجية واضحة في محاربة الشيوعية ودعم الحركات الثورية عبر هذه الاستراتيجية إلى أن حدثت الثورات في تلك البلدان وما صاحبها من تغيير شامل لأنظمة بلدان شرق أوربا


إذاً...كان لواشنطن استراتيجية "واضحة" لتغيير الأنظمة الشيوعية في أوربا الشرقية تؤدي في نهايتها إلى تغيير الأنظمة الحاكمة عبر الثورة/الفوضى...وهذا بالضبط لم يكن متوافراً في الثورتين التونسية والمصرية

لذلك فإني أرى أن هاتين الثورتين اندلعتا نقيّتين دون مؤثر خارجي ودون تخطيط مسبق من قبل القوى الاقليمية والدولية ، فقط المحفّز الوحيد لهذه الثورات كان السياسيات الداخلية الفاسدة والقمعية للنخب الحاكمة العربية


هل استغلت القوى الاقليمية والدولية هذه الثورات؟....قطعاً هي تحاول الآن استغلالها وإيجاد فتحة للولوج داخلها ومن ثم إعادة ترتيبها وصياغتها وفقاً لمصالحها في المنطقة....والشعوب العربية الآن أضحت بين مطرقة أنظمتها الفاسدة والظالمة وبين سندان التدخل الخارجي التي هي بحاجة له....والذي سيكون له ثمن بالطبع!؛


والله المستعان