الأحد، 2 ديسمبر، 2012

هزيمة ساحقة .. !




هناك حقيقة غائبة أو تم تجاهلها أو تغييبها عن سطح الأحداث وكان لها أن نقلت هذه الانتخابات من المستوى الاعتيادي إلى المستوى الاستثنائي والحاد ! ، وهي أن سمو الأمير-وعلى غير عادته ولا عادة من سبقه-ومنذ تعديل قانون الانتخاب بتوجيهات منه وخلال فترة شهر-تقريباً- قام بإلقاء ”ثمانية خطابات“ مصورة ومنقولة بشكل مباشر عبر التلفاز ! ، بعضها منفرداً وبعضها الآخر أمام وفود مختلفة ، كان جوهرها حول أحقيته بتعديل قانون الانتخاب والدعوة للمشاركة بالانتخابات وعدم مقاطعتها

لذلك أي حديث على أن هذه الانتخابات بأنها عادية هو حديث سخيف ولا يمت لواقع الأحداث المحتقن بصلة والذي على أثره وصلت خطابات رئيس الدولة لثمانية خطابات وتوجيهات بظرف شهر واحد فقط ، وكذلك الحديث عن فضاء المشاركة في الانتخابات هو في نطاق الـ60 % هو حديث غير حقيقي ، وقد أرادت السلطة من هذا الحديث أن تداري هول نتيجة نسبة المشاركة وتخفيف الصدمة وتعويمها في بحر نسبة الامتناع لا نسبة المقاطعة الشعبية

مؤسسة الحكم والحكومة والأجهزة الرسمية والإعلامية ومساجد الدولة والإعلام الموالي وأدواته من قنوات وصحف وكتّاب ومثقفين وشيوخ دين! ومنتفعين رموا كل ثقلهم في هذه الانتخابات لحث الناس على المشاركة ، حتى أن شعارات ”سمعاً وطاعة“ لتلبية رغبة الأمير بالمشاركة كانت العنوان الأبرز طوال الشهر الماضي ، كذلك تم الاستعانة بالإعلام الخارجي وأدواته لتآزر السلطة سواء من قنوات أو كتاب ذو شهرة عربية في صحف عربية بتمويل خليجي ! ، لذلك الحديث عن انتخابات عادية ونسبة امتناع هو محض هراء سخيف

كذلك فإن حالة الاستقطاب المكثفة لم تكن أحادية الجانب من قبل السلطة ، بل واكبها حالة استقطاب معاكسة وحادة ورافعةً التحدي باسقاط مرسوم الانتخاب من قبل الحراك الشعبي ، وهو ما تترجم على الأرض عبر مسيرات كرامة وطن والتي خرج مؤيداً لها عشرات الآلاف-150 ألف وفق تقديرات محايدة- في سابقة تاريخية لم تحدث طوال تاريخ الكويت السياسي المعاصر ، وكذلك بإعلان أغلب القوى السياسية الفاعلة والممثلة بالبرلمان السابق مقاطعتها لهذه الانتخابات ، وواكبها أيضاً حملة خطابات سياسية وملاحقات واعتقالات وندوات وحضور مكثف ، وحضور قوي داخل شبكات التواصل الاجتماعي للمقاطعة والتنظير حول أهمية المقاطعة وحول سحب الشرعية الشعبية عن البرلمان القادم

هذه الاستقطابات الحادة والتي شاركت بها حتى خطابات رئيس الدولة جعلت مساحة الامتناع عن التصويت تتقلص كثيراً إلى شبه عدم أو تكاد أن تكون عدم ، فطرف جعل من التصويت في الانتخابات بمثابة طاعة ولي الأمر استخدم فيه حتى منابر صلاة الجمعة طوال شهر ، وطرف رأى أن مسألة التدخل في قانون الانتخاب هو بمثابة ”تعدي“ على سيادة الأمة وعلى الدستور وعلى حرية الشعب في طريقة وآلية اختيار ممثليه وعلى أحقيته في صياغة قانون انتخابي عبر ممثلي الشعب

ولكي تتضح الصورة للقارئ من داخل الكويت أو خارجها حول نتائج هذه الاستقطابات الحادة على مساحة الامتناع سأضرب مثالين بسيطين منعاً للاطالة: معروف أن أفراد الأسرة الحاكمة في الكويت لا يصوتون طواعيةً في كل انتخابات وأنهم ممتنعون على طول الخط ، لكن ما حدث في هذه الانتخابات أنهم تسابقوا جميعاً للتصويت أمس ، بعضهم أتى ومعداته الطبية خلف كرسيه المتحرك ! ، والمثال الآخر .. أحد شيوخ الدين ممن يرى ”بحرمة“ ليس الترشيح للعضوية فقط بل في المشاركة بها تصويتاً أصبح مرشحاً ودعى للتصويت والمفارقة أنه نجح بالأمس من قبل مؤيديه الذين اعتادوا عدم المشاركة بالتصويت بطبيعة الحال ، أضف لكل هذا أن الشبكات الاجتماعية كانت تعيش حالة الاستقطاب ولم يظهر صوت الامتناع وكان معدوماً أو شبه معدوم ولا يكاد يرى ، عوضاً على اعتراف الكثير من المصوتين بأنه يشارك لأول مرة استجابةً لمفهوم السمع والطاعة الذي تم ترويجه بشكل إعلامي مكثف ومهول ، الشواهد حية وعلى الأرض وعبر الاتصالات والمداخلات ، الكل شاهدها وسمعها ، وهذه أمثلة للقياس تبين حقيقة المشهد الذي لم يقبل أن تكون هناك مساحة للامتناع

بعد كل هذه الاستقطابات من قبل السلطة التي استخدمت كل الأدوات المتاحة لزيادة نسبة التصويت في وجه الحراك الشعبي الرافع لشعار المقاطعة جاءت نسبة المشاركة بالتصويت لتشكل صدمة عميقة ، حيث لم يحضر لهذه الانتخابات ملبياً لنداءات السلطة سوى (34%-38%) من الناخبين ، أي أن السلطة لم تحضى بموافقة سوى ثلث الشعب! وهي فضيحة سياسية بكل المقاييس تبين مدى هشاشة ثقة الناس بمؤسسة الحكم وبخياراتها

الحراك الشعبي نجح في مقاطعة الانتخابات بكل ما فيه من استقطاب حاد من قبل السلطة ، والمشكلة الحقيقية ليست في انتزاع الشرعية الشعبية عن المجلس الذي انتخب بالأمس ومن ثم اسقاطه ، هذا أمر مفروغ منه بعد نتائج نسبة المشاركة والمسألة باتت مسألة وقت فقط ، المشكلة الحقيقية هي أن السلطة بكل ما تملك من أدوات وأجهزة وإعلام رسمي وغير رسمي صورت هذه الانتخابات على أنها طاعة لولي الأمر وبمثابة ”استفتاء“ حول قرار رئيس الدولة بتعديل قانون الانتخاب ، وهذا التصوير أوقعهم في كارثة من حيث لا يعلمون ويحسبون إن على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي ، وأصبح الآن الطريق ممهداً ناحية نزع الشرعية عن الحكومة المقبلة ورفع سقف المطالب الشعبية في ظل النتائج الهزيلة التي كشفت عن هزيمة ساحقة لخيارات وصفت بأنها طاعة لولي الأمر


والله المستعان



هامش شكر وغضب

بدأت وللأسف أصوات تخرج من الحراك تُثني على شيخ القبيلة الفلاني وعلى القبيلة الفلانية والفبلية العلانية ، وهذه الأصوات خرجت من نواب سابقين وفاعلين في الحراك الشعبي ، وهذه خطيئة أغضبت الكثيرين وشخصي البسيط أولهم ، فهذا الحراك نجح بجهود الشباب والشابات ، والكل متساوٍ في العمل ، فلا تكونوا معول هدم لهذا الحراك من الداخل وانزعوا عنكم أي عصبية قبلية وطائفية ، وكل نائب خص شكره لمجموعة من الناس عليه الاعتذار ، كلمات الاستياء مما حدث لازالت تصلني لغاية اللحظة ، ولن نرضى باحباط شاب أو فتاة بسبب تفاخر عصبي قاتل للحراك الشعبي ، ومن هذه المدونة المتواضعة أوجه رسالة شكر خاصة لكل من ساهم من شبابنا وشاباتنا في الحراك ولو بكلمة .. وأقول لهم: أنتم من صنعتم نجاح المقاطعة والدرب لن يستمر إلآ بكم ، والله لن يستمر إلآ بكم ، فارفعوا رؤوسكم عاليا وضعوا اصبعكم بعين كل مختالٍ فخور أهوج أعوج يتباهى أن الحراك نجح بفضل آخرين لا بفضل جهودكم .. وما يجرحكم يجرحنا أكثر منكم ، استمروا ولا تلتفتوا فمستقبل الكويت بحاجتكم .. ولنا وقفة معهم حتى يعتذروا لكم

لمتابعة جديد المدونة على تويتر
@ShagranQ8