الاثنين، 24 ديسمبر، 2012

في إشكالية الرضوخ النفسي




قبل مدة كنت جالس مع صديق في مقهى نحتسي ما تيسّر لنا من أقداح القهوة ونتحدث حينها حول استراتيجية الخوف والأمل التي تتبعها السلطة تجاه الحراك الشعبي في الكويت ، لفت نظري صدفة حينها في المكان المخصص للصحف في المقهى تصريح للسيد على الراشد-رئيس مجلس الأمة الحالي الفاقد للشرعية الشعبية-على صدر صحيفة الوطن:”موعدنا في 2016“ ، في إشارة إلى أن المجلس سيكمل مدته الدستورية! ، حيث وُضع التصريح بالبنط العريض جداً على صدر الصفحة الأولى كما هو في الصورة أعلاه .. وفي بداية الإسبوع .. الأحد .. حيث ذروة القراءة

والحقيقة أن هذا التصريح ذكرني بتصريح رئيس الدولة حين اجتمع مع رؤساء التحرير قبل الانتخابات في نوفمبر الماضي فتصدر تصريحه التالي كل الصحف حينها: ”المجلس سيستمر 4 سنوات“ ، ومن يومها ولغاية هذه اللحظة تم ترويج سياسة الأمر الواقع من قبل الإعلام الموالي للسلطة والأجهزة الرسمية والغير رسمية القريبة من السلطة ، وكل هذا ليس لشيء سوى توليد قناعة في العقل الباطن للفرد والمجتمع من أن المجلس الحالي-المرفوض شعبياً-سيستمر رغم أنف كل الاعتراضات على استمراره ، وأن مسألة الاعتراض باتت ماضي ولا يمكن الرجوع للوضع الانتخابي السابق

هذه السياسة التقليدية تُسمى سياسة الرضوخ النفسي وهي أحد أدوات استراتيجية الخوف ، وعادة ما تلجأ النخب الحاكمة في الدول إلى سياسة الرضوخ النفسي في فرض الأمر الواقع على المشهد السياسي برمّته ، وهذا الرضوخ عادة ما يأتي عبر القوة الناعمة التي بيد السلطة ، وأحياناً تجنح السلطة للترهيب الغير مباشر أو حتى تطبيق شكل من أشكال الترهيب المباشر عبر استخدام ”قانون القوة“ كالعنف والاعتقالات وتلفيق التهم بصفتها مسيطرة على آليات تطبيق القوانين وأجهزة الدولة وتمييلها بالاتجاه الذي ترغب به لقمع الخصوم السياسيين والأصوات المعارضة الفاعلة في الحراك السياسي

سياسة الرضوخ النفسي غرضها الأساسي هو تفتيت الجبهة المعارضة نفسياً وضرب حالة النشاط والعمق المجتمعي للحراك السياسي لصالح سياسات الأمر الواقع ، هي حرب نفسية شاملة لإدخال-أو حشر- حالة اليأس داخل العقل الباطن للفرد والمجتمع الداعم للحراك السياسي ، وأن التحرك المناهض/المعارض لم يعد ذي جدوى أمام الأمر الواقع بقوة الترهيب وطبقاً لاستراتيجية الخوف

ولو استبصر الفرد منّا قليلاً وتفكّر في أمره لأدرك أن نفس هذه الحرب النفسية كانت قائمة خلال الفترة من سبتمبر 2011 وحتى نوفمبر 2011 ! ، حيث تم استخدام الرضوخ النفسي عبر تسويق أن المجلس لن يحل وأن المحمد باقي في منصبه ، من قبل جميع الأجهزة الإعلامية والمؤسسات الدستورية والنواب والكتاب .. إلخ ، كانت حرب تثبيط عزيمة ، وأتذكر أن كتلة المعارضة حينها طلبت لقاء سمو الأمير لإزاحة المحمد وحل المجلس ، وكان الجواب الضمني الصلب: لا حل ولا رحيل وأمامكم أدواتكم الدستورية فاستخدموها ..

إلى أن جاء نوفمبر وحادثة دخول مجلس الأمة فاجتمع رئيس الدولة مع رؤساء تحرير الصحف ليطلق تصريح تصدّر الصحف الكويتية والإعلام التلفزيوني:” لا حل لمجلس الأمة ولن أقبل استقالة ناصر المحمد حتى لو تقدم بها“
 




لكن الذي حدث بعدها في ظرف إسبوع وبعد ضغط شعبي عالي أن حُل المجلس وقُبلت استقالة ناصر المحمد ،، لا أحد يملك علم الغيب .. لا أحد ، لا رئيس الدولة ولا علي الراشد ولا المعارضة ولا الحراك الشعبي ، تبقى المراهنة على طول نفس الحراك في مجابهة استراتيجية الخوف وسياسة الرضوخ النفسي .. هم يعلمون ذلك ونحن نعلم أيضاً

وإن تعلمنا شيئاً من التاريخ .. فإن نفس الشعوب أطول من نفس سلطتها ، لكن يبقى السؤال الذي أسمعه في داخل العقل الباطن للحراك الشعبي: لماذا استطاع تجمع بساحة الإرادة حضره سبعون ألف مواطن النجاح بتنفيذ مطالبه برحيل مجلس 2009 ورحيل رئيس الوزراء ولم تستطع مسيرات شعبية جاوزت المئة وخمسين ألف فعل ذلك؟ .. لماذا؟

هذا ما سأحاول الإجابة عليه في المقال القادم

والله المستعان


هامش
الحراك الشعبي يعيش حالة من التخبط وعدم رص الصفوف ، يجب أن نعترف بهذا ولا نخدع أنفسنا ، وهذا التخبط مفيد إن وظفناه في إعادة ترتيب ولملمة أنفسنا ، يجب أن نفكر الآن لا أن نتحرك ، ويجب علينا أن نعلم بأن كلفة المواجهة السلمية أقل بكثير من كلفة الرضوخ النفسي والقهري للوضع السائد حالياً .. فهل من متّعظ .. ؟!


لمتابعة جديد المدونة على تويتر
@ShagranQ8











.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق