الخميس، 28 فبراير، 2013

القضاء .. اشكالية الانحراف


من المعروف عبر التاريخ المعاصر أن الدول في العالم الثالث تستخدم القضاء في حماية نظامها وسلطتها من التآكل أو المنافسة في المعارك السياسية ، وعادةً ما تلجأ لذلك بعد ضعف الحجة وقطع دابر الشر-بنظر الأنظمة - قبل أن يستفحل في المجتمع وتتحول المطالب السياسية إلى مطالب شعبية كبرى تُفقد السلطة العمق داخل المجتمع ومن ثم ضعف الشرعية الشعبية.

لذلك مع مرور الزمن وانتشار المطالبات السياسية تبدأ الأنظمة مرحلة استخدام القضاء لتسيير مصالحها السياسية وكذلك استخدامه لفرض مطالبها أو رغباتها السياسية ، وبقوة القانون طبعاً ، وهو وجه آخر للفتوة في المجتمعات البدائية قبل أن تنشأ فلسفة الدولة الحديثة وأبجدياتها.

استخدام القضاء في الصراعات السياسية يمر بأربعة مراحل ، قد تكون متباعدة زمنياً وقد تتقارب زمنياً حسب متواليات الأزمة السياسية. والمراحل هي:

المرحلة الأولى: حماية رجال السلطة من المحاسبة ، سواء كانوا سارقين أو فاسدين أو حتى ملاحقين بشبهة جنائية.

المرحلة الثانية: تلفيق التهم ومن ثم انهاك الخصوم بالاجراءات القضائية المتشددة. أحياناً تصل حتى آخر درجات التقاضي ثم إفراج ! ، بعد شهور من الحبس طبعاً.

المرحلة الثالثة: حل الإشكالات السياسية الخانقة عبر المحاكم الدستورية أو المحاكم العليا-أياً كان الاسم لا يهم- ، والأحكام المفصلية تكون لصالح السلطة طبعاً ، حتى وإن حدث تناقض كبير بين الأحكام. المهم أن يصدر الحكم وفق المعطيات-الداخلية والخارجية- التي تراها السلطة.

المرحلة الرابعة: استصدار أحكام قضائية بسجن الخصوم. وهي عادة تمثل عنق زجاجة الأزمة ، ولا تلجأ لها الأنظمة في العالم الثالث إلآ بعد أن تكون ساحة الصراع قد اتّسعت وأخذت أبعاد خطيرة تهدد مساحة نفوذ السلطة بشكل مباشر.

في وسط هذه المراحل -أو في بدايتها- تظهر إشكالية عميقة في المنطق القانوني أو المنطق القهري إن جاز لي التعبير ، وهذه الإشكالية هي تحول في اصطلاحات القانون وفق تعريفه داخل المجتمع ، وهي باختصار : انتقال القانون من وضعية ”قوّة القانون“ إلى وضعية ”قانون القوة“.

وقانون القوة ممكن أن أصفه بـ: عملية سياسية-قانونية يتم من خلالها فرض الخيارات السياسية التي تريدها السلطة المتحكمة في مفاصل الدولة عبر حكم القانون-أو الأحكام القضائية بالتبعية- الذي يقدّسه المجتمع ، فتفرض واقعاً سياسياً هي تريده لا بقوة القانون إنما عبر قانون القوة باستخدام السلطة القضائية وأحكامها.

إن كان مجتمع ما مُصاب بهذا الداء-أقصد انحراف السلطة القضائية ودخولها كطرف مأمور في الصراع السياسي وقهرية قانون القوة-فعلى المجتمع أولاً أن يتخلص من النظرة المقدسة للسلطة القضائية ، وأن يفرض واقعاً جديداً على السلطة بأن يتجاوز إشكالية انحراف السلطة القضائية وقهرية قانون القوة ليصبح الصراع مباشراً دون خوف الملاحقة ، حيث من المعروف سلفاً أن قانون القوة يسقط أمام الحركات الشعبية الكبرى والتي تفرض مشهداً سياسيا جديداً بمطالب سياسية كبرى لا يستطيع قانون القوة الصمود أمامها ولا انحراف السلطة القضائية

والله المستعان



هامش
في بعض الدول .. الحديث عن شواهد انحراف السلطة القضائية يفضي إلى السجن ، لكن .. ماذا لو قام عشرات الآلاف من المواطنين-مئة ألف مثلاً- في دولة ما بكتابة ورقة تعبر عن نقدهم لانحراف القضاء وأرسلوها للسلطة القضائية. هنا حتماً سيسقط قانون القوة ، حيث لا تستطيع السلطة ولا القضاء وضع عشرات الآلاف خلف أسوار السجن .. ويكون هذا المجتمع وضع القضاء أمام حقيقته التي تجاهلها بداعي تقديس المجتمع له. وقد يكون هذا الفعل باباً لنشوء حركة تصحيحية من داخل قضاء هذه الدولة عبر مجموعة قضاة غير مرتاحين مما يحدث.


لمتابعة جديد المدونة على تويتر
@ShagranQ8


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق