السبت، 29 يونيو، 2013

بين الإيمان والرِّدَّة



الحديث نقداً أو ملاحظةً عن رجل بحجم زعيم المعارضة السيد أحمد السعدون حديث ليس بالسهل أو الهيّن على شخصي المتواضع ، فالرجل قدّم الكثير والكبير في مسيرة الصراع السياسي بين الشعب ومؤسسة الحكم/السلطة خلال أربعين سنة على الأقل ، هذا على المستوى السياسي أما على المستوى الشخصي فإنّي أكن الكثير من المحبة لهذه الهامَة الكبيرة ، لكن .. المحبة شيء والعمل السياسي وحدوث متناقضاته شيء آخر ، وإن لم نصدقه القول لحبنا له فلن يصدقه القول من يُماريه.

 في يوم الإثنين العظيم 28 نوفمبر 2011 بعد أن تداعى الشعب الكويتي للحضور في ساحة الإرادة بتجمع غير مسبوق في الحياة السياسية لتاريخ الكويت القديم والمعاصر تحدث رئيس مجلس الأمة الأسبق أحمد السعدون في ذروة الأزمة السياسية قائلاً:"الشعب الكويتي أيضاً سيكتب تعديل دستوره لأنه لا يمكن أن تستمر الأمور كما هي حالياً" ، وهي إشارة واضحة لا تقبل اللبس لانعطاف المعارضة الكويتية ناحية التعديلات الدستورية. 

لكن.. وكما تقول العرب: لكن تقتل ما قبلها ، بعد أن تحققت مطالب المعارضة الرئيسية برحيل ناصر المحمد وحل مجلس 2009 وفي أول ظهور إعلامي كبير للرئيس الأسبق أحمد السعدون في 25 يناير 2012 عبر برنامج توك شوك على قناة اليوم ، قبل الانتخابات بإسبوع وحين كانت المعارضة والحراك يسبحون في نشوة النصر وجّه السيد محمد الوشيحي لضيفه السؤال التالي:أحمد عبدالعزيز السعدون هل سيبقى رافضاً لتعديل الدستور؟-طبعاً واضح من سؤال الوشيحي أنه لايعلم عن حديث السعدون في 28 نوڤمبر 2011 وله العذر في هذا بكل تأكيد. 

فأجابه السعدون:”يجب أن ندرك أن تعديل الدستور يحتاج توافق الإرادتين مجلس الأمة وسمو الأمير إلآ إذا أردنا التحرك وأن نخلق جو شعبي ضاغط لكن أنا قلتها أكثر من مرة أنا ماني مع هذا الاتجاه“. 

كنت جالساً أمام الشاشة حينها وغلبني الاستغراب العظيم من رد الرئيس السعدون ، لكن قلت في نفسي أجواء النصر التي تعيشها قوى المعارضة والحراك لا تحتمل هذا النوع من نقد المتناقضات ، عوضاً على أنني عرفت أن المعارضة على لسان السعدون لم تطرح تعديل الدستور في ساحة الإرادة إلآ كمناورة سياسية للضغط على مؤسسة الحكم للقبول باستقالة المحمد وحل مجلس 2009. كانت مجرد مناورة ضغط.. ليس إلآ.

غلبني بعد الاستغراب نوع من الاحباط بضياع الفرصة التاريخية تماماً لفرض تعديلات دستورية. حتى جاء موعد ندوة كتلة الأغلبية قبل أيام في 26 يونيو 2013 في الدائرة الخامسة التي قال فيها الرئيس السعدون التالي:”الشعب الكويتي سينتصر وسينتصر ليس فقط بالعودة لمجلس دستور 1962 إنما بالعودة إلى مجلس دستور 1962 مع تعديلاته.. تعديلات جذرية.. تعديلات تكون فيه السيادة للأمة.. تعديلات بحكومة منتخبة“. 

أنا الآن-وأعوذ بالله من الأنا- في حيرة أمام ثلاثة تصريحات كل منها ينقض الآخر ، فالتعديلات الدستورية مطلب أطالب به منذ سنوات في هذه المدونة وكنت أتبنى فكرة عامة مفادها: أنْ لا خروج من الأزمات السياسية في الكويت إلآ بتعديلات دستورية أو بدستور جديد ، وهذا غاية ما أكتب وهذا غاية ما أريد وهذا غاية ما أؤمن به للخروج من الأزمة السياسية من مربع المشاكل المتكررة إلى مربع الحلول خارج الصندوق. 

 يقول المؤرخ الاسكتلندي الكبير توماس كارليل-مبتدع مفهوم السلطة الرابعة-:”ليس للاقتناع قيمة إنْ لم يتحول إلى سلوك“ ، وهنا بالضبط تكمن العلّة الرئيسية في نواب المعارضة ، فمن الواضح والجلي أن الشعارات المرفوعة لدى نواب المعارضة تتأرجح بين الإيمان والرِّدة ، فإما أن تؤمنوا بما تقولون وتعملوا لأجله.. وإما أن ترتدّوا عن كل الشعارات المرفوعة.. ليس لأجلنا إنما لأجل أن لا تهتز صورتكم عندنا نحن معشر البسطاء الذين كنّا معكم دائماً.

والله المستعان  


هامش 
التحول من الشعار إلى العمل المدني المنظم لا يحتاج إلى ندوات ، يحتاج فقط إلى: خطة عمل وبرنامج وآلية تحرك ثم نضع نقطة ، ليبدأ الحراك من جديد وفق خارطة طريق واضحة المعالم لا مجال فيها للمناورة السياسية.


لمتابعة جديد المدونة على تويتر
 @ShagranQ8

السبت، 15 يونيو، 2013

بحر السلطة.. وساقِيَةُ الدستورية


أغلب المؤشرات السياسية تصب غداً لصالح صدور حكم بإلغاء مرسوم الضرورة الانتخابي وإرجاعنا إلى مجلس 2009 المنحل ! ، وقد تطرقت لهذا الأمر في مقال نشرته في ديسمبر 2012 كاحتمال بديهي قائم. ولو فكرنا بعقلية السلطة فهذا أنسب حل يخرجهم من الأزمة السياسية الحالية الممتدة منذ سنة.

 السلطة خلال الفترة الماضية تحركت على ثلاث مستويات رئيسية لتجهيز المسرح السياسي لاستيعاب الصدمة التي سيحدثها حكم المحكمة الدستورية ، المستوى الأول هو الاستعداد الإعلامي لما بعد الحكم والضغط ناحية القبول به كمسلمات لا يمكن تجاوزها. أمّا المستوى الثاني وهو ما أسميه حركة الالتفاف الاجتماعي الخلفية لقاعدة الحراك الشعبي ، والتي تمثلت في إعادة رسم خارطة التحالفات لمؤسسة الحكم عبر استمالة شخصيات اجتماعية ذات ثقل-كبعض شيوخ ووجهاء القبائل-كان لها دور بارز في معارضة مرسوم الضرورة.

 المستوى الثالث كان سياسي بامتياز ، من خلال دفع السلطة بشخصيات سياسية لها تأثير في محيطها السياسي-والاجتماعي أيضاً-لتطرح ”مبادرة الاصلاح والتوافق الوطني“ كما أسموها ، وهي مبادرة من أهدافها قتل مطالب الحراك الشعبي وإرجاعه إلى مستويات منخفضة من الإصلاح السياسي. هذه المستويات الثلاث هدفها الرئيس شيء واحد فقط ، وهو الدفع ناحية أن يقبل المجتمع بأن يكون مجلس 2009 هو المكان الذي يصدر قانون انتخابي جديد كحل وسط بين مؤسسة الحكم والمعارضة ، ومحاولة عزل المعارضة في حال اعتراضها على هذه التسوية السياسية من خلال موافقة كلٍّ من: حدس(الدويلة-الصانع) والسلفي والتحالف الوطني والمنبر والقوى التجارية الكلاسيكية على هذه التسوية. هذا بظنّي ما تخطط له السلطة وتتمناه ، ولا يعني أنه سينجح.

 على المستوى الشخصي فإيّاي غير مهتم كثيراً بحكم المحكمة الدستورية ، سواء بقبول مرسوم الضرورة أو رفضه أو العودة لمجلس 2009 ، فالسلطة خلال السنوات القليلة الماضية ألقمتنا المر والظلم والملاحقات القضائية والسجن ، وعاثت فساداً وعبثاً في أجهزة الدولة ومؤسساتها المناط بها حماية المواطن وانصافه ، وتسترت على سرقات مالية كبرى ودعمت تقسيم المجتمع بما يضمن استمرارية قوتها وسيطرتها. كل هذا أنتج حراك سياسي واجتماعي عريض بدأ من خلاله-وهو المهم عندي-ينتشر الوعي ناحية تهالك المنظومة السياسية الحالية والايمان بعدم قدرتها على إرساء قواعد العدالة والمساواة وحماية ثروة الدولة والسير نحو مستقبل آمن للدولة ولنا ولأجيالنا ، فانتشرت مفاهيم سياسية كبيرة ما كان لها أن تأخذ حيزاً من التداول العريض ومن ثم التحرك لتحقيقها.

 هناك مثل دارج في بلاد الشام يقول:”من شَرِب البحر .. لن يغصَّ بالساقية“ ، والبحر مالح والساقية عذبة ، فهل من شرب الكبير يغص بالصغير؟! ، نحن شربنا كل تعديات السلطة الكبيرة واستوعبناها وكانت وقوداً لحراكنا الشعبي في أن يمضي للأمام ، فتطورت مطالبنا السياسية حتى وصلنا لرفع شعارات الحكومة البرلمانية وبسط الشعب يده على حكومته وبدأنا نتحدث بصوت مرتفع عن تعديلات دستورية حتمية ، لذلك-بالنسبة لي ومحيطي على الأقل-سنستمر بمطالب الإصلاح السياسي ولن نغصَّ بحكم المحكمة الدستورية غداً .. مهما كان الحكم ، فنحن ماضون إلى الأمام.. وسنعبر الساقِـيَة

 والله المستعان 


هامش 
حقيقة لا مواربة فيها.. أنا غير مهتم بحكم الدستورية غداً وتخريجاته القانونية والسياسية ، غير مهتم إطلاقاً ، المهم عندي والأهم أن يتم لملمة الحراك مرة أخرى ويتصافى المتخاصمون ويتجاوزوا صغائر الأمور وتوافِهِها ، فالحراك الصلب والمتماسك سيحقق ما يريد. وسنستمر في قرع الأجراس بين صفوف المعارضة المتخاصمة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.


 لمتابعة جديد المدونة على تويتر
@ShagranQ8

الأربعاء، 12 يونيو، 2013

من أضعف الحراك؟


تعيش المعارضة السياسية في الكويت أسوأ أوقاتها وحالاتها منذ ديسمبر الماضي لغاية اليوم ، ولن أدخل في تفاصيلها المخجلة التي حتى عنصر الغيرة بين الرجال كان فاعلاً فيها ! ، لكن .. سأتحدث عنها في العموميات دون التفاصيل.

 كنظرة عمومية.. سيطر على المعارضة السياسية والحراك الشعبي في الكويت ثلاث اتجاهات رئيسية بثلاث خطابات سياسية:
 الاتجاه الأول تزعّمه المعارض الأبرز مسلم البراك بخطاب سياسي أقل سقفاً من خطابه الشهير في ندوة ”كفى عبثاً“ ، لكن لازال البراك يتبنى خطاب حاد وصلب لكن باتجاه الحكومة وليس السلطة ، محتوى خطاب البراك ضعيف ، فهو يعتمد فقط على العودة للنظام الانتخابي السابق ، أما مسألة الحكومة البرلمانية فلازالت كلام إنشائي سيذهب أدراج الرياح إن عاد قانون (4-5).

 الاتجاه الثاني تصدّره الدكتور عبيد الوسمي ، الذي أيضاً تخلّى عن خطابه التصادمي الحاد ”احترمونا نحترمكم“ وركنَ إلى خطاب سياسي هادئ مسالم أساسه الدعوة للحوار لإحداث تغيرات جوهرية في المنظومة السياسية الحالية التي أثبتت فشلها.

 الاتجاه الثالث-ليس له تأثير كبير داخل قاعدة الحراك الشعبي- تبنّى خطاب سياسي راضخ قوامه المشاركة في العملية السياسية أياً كان حكم الدستورية.

 خلف هذه الاتجاهات السياسية دارت حروب الأدوار الثانوية ما بين متبنّي اتجاه البراك وبين متبنّي اتجاه الوسمي ، بمعنى أن حروب الأدوار الثانوية ما كانت إلآ انعكاساً لتباين الاتجاهات والخطابات السياسية في المعارضة ، وما أشعلها ازدياداً هو صمت الأطراف الرئيسية عمّا يحدث ، وهو أشبه بالموافقة الضمنية.

 هذه الاتجاهات السياسية بخطاباتها الأقل سقفاً عن خطاب ”كفى عبثاً“ ساهمت بشكل رئيس في إضعاف الحراك الشعبي ونزوحه ناحية الصراعات الهامشية ، ما أدى وبشكل جلي إلى ميلان ميزان القوى السياسي الداخلي لصالح السلطة. وهذا الضعف في الحراك أوجد مساحة كبيرة للسلطة لأنْ تعيد ترتيب نفسها وتتحرك بحرية وهدوء لتجهيز المسرح السياسي لما بعد حكم المحكمة الدستورية ليكون في صالحها ووفقاً لرغباتها.

 نحن الآن أمام خيارين ، إما نجلس ونتفرج ونسخر سخرية المراهقين ونمارس النضال عبر تويتر ونرضخ للأمر الواقع ، أو تتسامى الأطراف السياسية في المعارضة عن الصراعات الصبيانية وتعيد ترتيب نفسها من هذا الشتات لتجابه مرحلة ما بعد حكم الدستورية وتنتقل من مربع الايمان بشعارات التغيير إلى مربع التحرك لأجل التغيير بخطاب سياسي واحد تعلن فيه رفضها لاستمرار المنظومة السياسية الحالية وتضع خطوات التغيير وتجهز نفسها للتضحيات الكبيرة.

 والله المستعان 


هامش
”لمن نقرع الأجراس“ .. ؟!




لمتابعة جديدة المدونة عبر تويتر
@ShagranQ8