الخميس، 4 يوليو، 2013

مصر ولعبة الأمم



جدلية الصواب والخطأ هي جدلية يسبح فيها من لديه عقدة الإخوان من جهة ومن لديه عقدة الليبراليين في الجهة الأخرى. لأن منطلقاتها مصلحية لا قيميّة. فكلٌّ منهما ينظر للصواب من زاويته ومن مصلحته ومن دوافع الإقصاء العميقة في وجدان الفرد والمجتمع في الدول العربية.

 ما حدث في مصر أمس ليس شيء عادي ، فسقوط الإخوان في مصر التقت فيها ثلاثة محاور رئيسية: المشيئة الداخلية متشعبة-ومتناقضة-التحالفات ، والمشيئة الإقليمية-الدولية ، وخطأ الإخوان الاستراتيجي ، وفي محاولة لفهم ما حدث سأبين كأفكار دون تفاصيل ماهية ما حدث من وجهة نظري لا قولاً للحقيقة التي لا يملكها أحد.

 1-خطيئة الإخوان
الخطأ الاستراتيجي الكبير الذي وقع فيه الإخوان-كل أخطائهم الأخرى تقع تحت هذا الخطأ بما فيها الإعلان الدستوري المنفرد والتصادم مع القضاء-كان في تراجعهم عن وعودهم المعلنة بعدم الترشح لانتخابات الرئاسة ، كان على الاخوان عدم القفز على منصب الرئاسة وتجنب المواجهة مع قوى الدولة العميقة التي ترعرعت في كنف نظام مبارك-سواء في الجيش أو القضاء أو الأمن أو جماعات المصالح- وترك هذه المهمة لبقية ثوار 25 يناير والحركات السياسية التي تصدرت مشهد الثورة. فالاصطدام بين شباب الثورة وقوى الدولة العميقة كان سيصب في صالح الطرفين، شباب ثورة 25 يناير وحركة الإخوان ، وكان هذا كفيل بعدم إعطاء الجيش غطاء شرعي-سواء داخلياً أو خارجياً- للتحرك.

 كان على جماعة الإخوان فهم الحالة الثورية وحاجاتها وأغراضها ، فالحالة الثورية تحتاج إلى توافق وإلى تنازلات وإلى طاولة حوار مستديرة لا رأس لها حتى لو كان الرئيس منتخباً ، فالمرحلة الثورية ليست صندوق انتخاب ونقطة وإن الأمر لي وجماعتي. هذا يدل على عدم استيعاب جماعة الإخوان أن الحالة الثورية لا تنتهي بانتخاب الرئيس فقط. فالدولة التي غادرها مبارك هي دولة متجذرة الفساد في المؤسسات الرسمية، عسكرية أمنية قضائية جماعات مصالح ، وهو ما يطلق عليه الدولة العميقة. ومجابهة التحولات الثورية وقوى الدولة العميقة تحتاج إلى توافق بين الأطراف السياسية لا استفراد في القرار.

 2-المشيئة الداخلية
تكونت الرغبة الداخلية في العمل على رحيل الإخوان رئيسياً بعد انكشاف ”التعطش للسلطة“ الذي كان عنواناً بارزاً لحركة الإخوان منذ فوزها بانتخابات مجلس الشعب-المبطل- ولاحقاً فوز مرشحها وخروج الحركات الثورية الأخرى من الجولة الأولى ، هذا أعطى انطباعاً للإخوان أن لا منافس حقيقي لهم داخل المجتمع المصري في ظل تشرذم القوى السياسية الثورية وتباعدها ، وهنا تم ارتكاب الخطأ الاستراتيجي الثانوي ، فقد غاب عن الإخوان مستوى التحولات في موازين القوى داخلياً ، وأنّ تعطش الإخوان للسلطة والاستفراد فيها سيكون السبب الرئيس لأنْ تجلس الحركات الثورية المتشرذمة على طاولة واحدة وتستغل أخطاء الإخوان السياسية وعجزها عن تقديم مشروع اقتصادي يلامس المواطن البسيط ، فكان المواطن البسيط هو وقود التحوّل الذي أخرج الإخوان من السلطة وغطاءً شرعياً داخلياً ليتحرك الجيش.

 3-المشيئة الإقليمية-الدولية
بعد سقوط نظام مبارك فقدت الأنظمة الخليجية وعلى الأخص الرياض عمقها الاستراتيجي الذي كان يتمثل في نظام مبارك ، ما جعل هذه الدول في بداية الثورة ترزح تحت هاجس: فقدان مصر من جهة وتماسك محور طهران(بغداد-دمشق-حزب الله) التي لديها أطماع هيمنة على دول الخليج من الجهة الأخرى ، زادت هواجس الأنظمة الخليجية بعد وصول الإخوان للسلطة ، وهنا بدأ بالضبط تشكّل هدف رئيسي لديها يتمثل في السعي ناحية إسقاطهم ، وهذا الهدف يتلاقى مع رغبة واشنطن بعدم وجود نظام إسلامي بجانب اسرائيل ، فتلاقت مشيئة هذه الدول بالرغبة في إعادة رسم التحالفات الداخلية بين القوى الثورية من جهة وقوى الدولة العميقة في مصر من رجال الحزب الوطني إلى جيش وقضاء نظام مبارك ، وذلك بهدف إعادة صياغة الدولة المصرية الجديدة ووضعها في نظام أفضل-نسبياً-من نظام مبارك مع إبقاء القوى الإسلامية بعيداً عن منطقة صنع القرار الاستراتيجي الداخلي والخارجي.

 هذه المحاور الثلاثة كانت السبب الرئيس في خروج الإخوان من السلطة بهذا الشكل ، الذي باركته عواصم خليجية ودولية حتى قبل أن يؤدي الرئيس الجديد اليمين ، وذلك لإعطاء الجبهة الداخلية الثائرة في مصر مزيداً من الاطمئنان والدعم ، والمضحك هنا تسابق الرياض ودمشق في مباركة خطوة الجيش ، وهو شيء يستدعي التفكير فيه وفي أبعاد هذا التسابق.

 ختاماً .. جماعة الإخوان لم تقرأ المشهد الداخلي والإقليمي جيداً ، ولم تستوعب أن موازين القوى الداخلية والخارجية كانت آخذة في التحوّل ضدها ، رغم أن هذا المشهد كان واضحاً في كلمة وزير الدفاع/ السيسي في 23 يونيو وقبل اسبوع كامل من انطلاق حملة تمرّد ، كان على الجماعة استيعاب هذا التحول والبحث عن مخرج سياسي عميق حتى لو استدعاها أن تدعو لانتخابات مبكرة وتسقط فيها ، فثمن السقوط سيكون أخف مما هو قادم عليها ، وهذا ما سأتحدث عنه في المقال القادم ، مرحلة إقصاء الإخوان بمباركة داخلية وخارجية. 



هامش
حين أعلن الإخوان المسلمين عن نيتهم الترشح لانتخابات الرئاسة المصرية قال يومها صديقي: سينجح مرشحهم لكن سيفشل الإخوان في إدارة دولة الثورة وسيجبرون على ترك السلطة برغبة خارجية وتقاطع مصالح داخلية ، وحدث ما توقع ، الإخوان فشلوا في إدارة دولة الثورة كحالة انتقالية للدولة الجديدة ، وفشلوا في إدارة الأزمات المفتعلة ، سواء منهم أو من الطرف المتربص بهم.


 لمتابعة جديد المدونة على تويتر
@ShagranQ8