الخميس، 21 نوفمبر، 2013

حول هدم الجدار الرابع

 

يعتبر الأديب والمسرحي الألماني "بريخت" أول من طرح نظرية "كسر الجدار الرابع" في الأدب المسرحي ، والنظرية مفادها أنّ حالة الوهم التي يعيشها الجمهور في المسرح التقليدي تجعل هذا الجمهور يشعر أن هناك جدار عازل بينه وبين الممثلين على خشبة المسرح ، وأن هذا الجدار العازل يجعله أسيراً للنص المكتوب ولحالة الإيهام التي يتقمصها الممثلين على خشبة المسرح ، فيصبح الجمهور مندمجاً مع الأحداث والشخصيات ومتخيلاً أن هناك حاجز يفصل بينه وبين خشبة المسرح دون أن يتدخل في سير الأحداث. لذلك قام بريخت بجعل الجمهور عنصر فاعل وأساسي في المسرح .. يتدخل في سير الأحداث ويغيرهاً أيضاً ، بل ويملي الجمهور على الممثلين ماذا يفعلون. وهو ما سُميَ بـ: كسر حاجز الوهم .. أو كسر الجدار الرابع.

اللعبة السياسية في الكويت عاشت طوال خمسين سنة وفق قواعد أساسية لا تتعدى المرسوم لها ولا أن تتجاوز سقفه ، كان أحياناً يتم تعليق اللعبة السياسية بالكامل من ناحية وقف العمل بالدستور ، ومن ثم التفرد بالسلطة من قبل مؤسسة الحكم ، وكان اللاعبون الخاسرون من تعليق الدستور لا يريدون شيء سوى أنْ يُعاد الدستور مرة أخرى واللعب من جديد وفق القواعد القديمة.

طوال نصف قرن كان جميع اللاعبين والفاعلين السياسيين راضين تمام الرضا عن قواعد اللعبة السياسية على المسرح السياسي ، وكانت القاعدة الرئيسية للعبة السياسية في المسرح السياسي قائمة على: ( استجواب- تعديل وزاري/استقالة حكومة/حل).

لكن في العهد الجديد-الذي بشرونا به!-حدث تحول استراتيجي في تعاطي مؤسسة الحكم مع الدستور ، حيث في السابق كانت الاستراتيجية تقوم على أساس: تعليق الدستور أو استمراريته. لكن العهد الجديد بدأ يلعب داخل الدستور ووفق الامكانيات الممنوحة له والصلاحيات اللا حدودية الخارج عن دائرة المحاسبة. فتم انتهاك القاعدة الرئيسية للمسرح السياسي ، وتم تعطيل أداة الاستجواب والمساءلة .. وهذا التعطيل طبعاً بالقانون والدستور وتكييف الأحكام!.. ومن لم يعجبه فليبلّط البحر خلفه.

أثمر هذا التعدي عن دخول لاعب جديد على المسرح السياسي ، وهو الجمهور كمحرك رئيس لسياق الأحداث وليس متفرجاً أو مصفقاً بإعجاب ، طبعاً هذا الدخول كان له محركات متعددة وليس انتهاك القاعدة فقط ، لكن كان هذا الانتهاك هو المظلة السياسية الكبيرة التي جمعت الفرقاء السياسيين.

خلال الحراك الشعبي ودخول الجمهور كلاعب رئيس في المشهد السياسي أُجبر السياسيين على تغيير خطاباتهم ومطالبهم ، وكذلك تولدت قناعة-لا بأس بها- بين أوساط الجمهور بعد انكشاف اللعبة السياسية وقواعدها من أن هذه المنظومة السياسية أثبتت فشلها وأنها عاجزة عن تحقيق الاصلاحات الحقيقية في الدولة ومحاربة الفساد وتحجيمه وإرساء قواعد العدالة والتكافؤ ومحاسبة المقصرين والمتجاوزين. وأن المحددات الدستورية التي أنتجت هذه القواعد السياسية باتت عديمة الفائدة.

كل هذا لا جديد فيه-أقصد ما كتبت أعلاه- والغالبية استنتجت هذا الأمر ولا جديد .. إذاً ما الجديد؟ ، الجديد هو أن هناك شبه اتفاق-ولو ضمني أو تلقائي-بين الفاعلين السياسيين في المشهد السياسي الكويتي -سواء من السلطة أو بعض/كل نواب المعارضة في الحراك- على العودة إلى القواعد القديمة للعبة السياسية ، بحيث يرجع الممثلون والمؤلف والمخرج إلى الوضع السياسي القديم ويرجع الجمهور إلى مقاعد المسرح ليتفرج من جديد على المشهد التقليدي المضحك المبكي: (تجاوزات-تهديدات-لجان تحقيق-استجوابات-استقالات-حل).. ويستمر المشهد إلى ما شاء الله مع فساده وكل تجاوزاته دون حساب وإصلاح.

هناك من يريد العودة للوراء ، وفق الأبجديات القديمة ، من داخل السلطة ومن داخل المعارضة ، لكن الحقيقة التي يُراد أن يتجاوزها كلا الطرفين هي: لقد تم هدم الجدار الوهمي الذي كان يفصل الجمهور عن المشهد السياسي من الداخل ، واكتشفنا-وليس بالضرورة أن نكون جميعاً اكتشفنا ذلك- مع سياق الأحداث وتجذر الفساد والتفرد بالسلطة يوماً بعد يوم أن القاعدة التي كان مرضياً عنها من جميع الأطراف السياسية طوال نصف قرن ، معارضة-موالاة-مؤسسة حكم ، كقاعدة استنادية لحلحة الأزمات لم تستطع انهاء حالة الفساد والتراجع في الدولة ولا كبح جماح السلطة في انتهاك مقدرات الدولة وأموالها العامة ولا في منع تمدد دولة المشيخة وإنهائها لصالح الدولة الحديثة.

لذلك لا يمكن-لي على الأقل-أن أرجع مرةً أخرى لمقاعد الجمهور وأشارك متفرجاً ومهللاً ومصفقاً من جديد على التهريج الذي سيتحدث عن انتهاكات المال العام والتجاوزات الظالمة والسرقات والفساد ثم يرحل الكومبارس ويبقى الممثلون الرئيسيون والمخرج ، ويبقى معهم الفساد والسرقة والانتهاكات أسياد الموقف دون محاسبة ، قد يفعلها غيري إن تمت المصالحة بين الطرفين .. هذا خياره ، أما عن نفسي فأجلس في بيتي معتزلاً احتراماً لعقلي بدل أن أتغابى وأدّعي أن الإصلاح سيمر من هنا يوماً ما وفقاً لهذه المعطيات ووفقاً لهذه القواعد السياسية والدستورية.


والله المستعان


هامش

هناك أمر آخر اكتشفناه أثناء فورة أحداث الحراك الشعبي وتحديداً من 2010-2012 ، وهو أن السلطة في الكويت تدير ”دولة منحازة“ ، والدولة المنحازة سبب رئيسي من أسباب الفساد أو هي نتيجة له ، وخطرها عظيم على مستقبل المجتمع وأفراده ، سأسهب يوماً ما-إنْ كتب الله لي-في شرح هذا المفهوم.. الذي هو قد يكون شارحاً لنفسه دون إسهاب.


-لمتابعة جديد المدونة على تويتر

@ShagranQ8