الأربعاء، 18 يونيو، 2014

البلاغ.. وشريف روما

بالأمس قدّم أحمد الفهد الصباح بلاغاً للنيابة أسماه (بلاغ الكويت) ، وهو بلاغ سيترتب عليه انهيار المسرح السياسي الحالي ، لما يحتويه من اتهامات خطيرة بحق المتهميْن(عجزت القبس عن ذكرهما) جاسم الخرافي رئيس مجلس الأمة السابق وناصر المحمد رئيس مجلس الوزراء السابق ، وهما قريبين جداً من مؤسسة الحكم وأبرز رجالها ، عوضاً على اتهمامات رشاوي تمس شخصيات في مرافق الدولة المهمة.

النقطة الرئيسية لبلاغ الكويت (كما سُمّيَ) ليس غرضها ما ستسفر عنه التحقيقات ، فالقضاء في الكويت عجز عن إدانة تجار صغار لأغذية فاسدة وعجز عن إدانة الكثير من ملفات الفساد والرشاوي ، أياً كان السبب سواء قصور تشريعي أو أي شيء آخر يدور في بال المرء ، كذلك فسحة الخروج القانونية من المأزق ستكون سهلة إن كانت حكومة جابر المبارك هي المصدر الرئيس لطلبات النيابة/القضاء لبعض المعلومات أو الدلائل أو الاستفسارات أو الوثائق.. إلخ، فهذه ستمثل فسحة بالنسبة للمتهميْن.

لكن في حال قرر الفاعلون الرئيسيون في مؤسسة الحكم رفع الغطاء السياسي (أو الحمائي) عن المتهميْن جاسم الخرافي وناصر المحمد ، من خلال السلطة التنفيذية وأجهزتها، فهنا من الممكن أن نحصل على مستوى من الإدانات، أقول (مستوى من الإدانات) حيث لا يمكن الجزم في مستوى حكم الإدانة في ظل هكذا تشريعات وتخارجات قانونية ومنظومة فساد لها يد طويلة ، إضافةً لعامل الثقة المهتزة في القضاء داخل أوساط الحراك الشعبي المعارض ، عوضاً عن تسرب أوراق تدلل على تحصّل قضاة لرشاوي (وهي أوراق لازالت محل بحث وإدانة من عدمه).

رفع الغطاء السياسي من قبل مؤسسة الحكم تجاه رجالها أو المنتمين لها عضوياً صعب جداً وقريب من المستحيل ، وكتقريب لذلك يمكن التدليل على قضية سرقة الناقلات والمتهم فيها علي الخليفة الصباح (تم تبرئته لعدم كفاية الأدلة وليس لأنه بريء تماماً إضافةً لحكم إدانة دون تاريخ!) ، فلم تتخلا مؤسسة الحكم عنه ولا لحظة وظلت تسانده رغم موجات المتغيرات السياسية للمشهد داخل مجلس الأمة طوال سنوات ، وهذا لا يعني أنّ غطاء الحماية هو خيار أريحي لمؤسسة الحكم ، إنما يمكن رفعه من خلال الضغط الشعبي، ولكنه يحتاج لعدة أدوات مثل الاتجاه لمحاكم دولية وحراك شعبي كبير جداً وشعارات سياسية عميقة وإصلاحية، لا شعارات عابرة وحينية.

لذلك فإن النقطة الرئيسية من تقديم البلاغ تتمثل في نقل مستوى الفضيحة إلى مستوى أكثر جِدية ، شعبياً بالدرجة الأولى وسياسياً وإعلامياً بالدرجة الثانية ، وذلك بغية الاستعانة بالضغط الشعبي لتحقيق (المصالح المشتركة) بين تقاطعات خارطة التحالفات السياسية الجديدة ، تعريف (المصالح المشتركة) هنا فضفاض، قابل لأن يكون مجرد مصالح خاصة ، أو يكون مصالح عامة غير عميقة أو مصالح عامة كبرى واستراتيجية..

ومن اللافت للنظر هنا في التحالف الجديد هو طريقة التعامل مع أحمد الفهد! ، من خلال تصوير أحمد الفهد على أنه المنقذ والشريف المحرر من الفساد ! ، هذا تعامل سطحي مع اللاعبين السياسيين ، أحمد الفهد في وقت ما كان أحد الفاعلين في مؤسسة الحكم ، وهو على أي حال لن يرضى أن تتنازل مؤسسة الحكم عن مميزاتها الدستورية لصالح الأمة عن طيب خاطر ، صحيح هو الآن خارج دائرة الفاعلية في مؤسسة الحكم وعلى خلاف مع أطرافها ، وهنا بالضبط علينا التعامل مع هذا الأمر وفق هذه الرؤية ، كاستغلال نقاط الخلاف والضعف وكذلك استثمار الخلافات بين حلفاء الأمس ، لكن يجب أن يصب هذا في حساب التطلعات الشعبية الاصلاحية ، لا عبرَ إطلاق أوصاف الشرف والتبجيل على أحمد الفهد الذي كان نائباً لرئيس الوزراء أثناء أحداث ديوان الحربش وضرب الشعب ونوابه بالمطاعات.

عموماً حين التفكير في الأمر.. لا يجب التركيز كثيراً على أطراف التحالفات الجديدة في المعارضة واسباغ الأوصاف المدحيّة (أو القدحيّة) على الحليف الجديد ، إنما يجب التعامل معه وفق إطار الفهم السياسي لتغير معادلات التحالفات السياسية وتبدل المصالح وليس بهكذا تصور قاصر عبر المدح والتبجيل أو القدح والتنكيل ، فتغيّر التحالفات شيء مباح في عالم السياسة ولا مانع عندي فيه إنْ كان من ورائه تحقيق مصلحة عامة للمجتمع والدولة ، وإنْ كانت السلطة لا تريد من تحالفاتها سوى استمرارية التفرد بإدارة الدولة وما يصاحبها من فساد واستنزاف وسرقات مليارية ، وكذلك إنْ سلمنا جدلاً بتقاطع مصالح أحمد الفهد والمعارضة عبر خارطة تحالف جديد ضد المليارات المسروقة والرشاوي ومنظومة الفساد خلفها بقيادة المتهمين جاسم وناصر ، فيجب أن يكون السؤال: ما هي شروط/رغبات التحالف الجديد القائم بين أحمد الفهد من جهة والمعارضة من الجهة الأخرى؟..ما الذي يريده الفهد وما الذي تريده المعارضة؟ ، ما الذي اتفق عليه الطرفان لحظة تحقيق النصر عند انهيار المسرح السياسي الحالي؟.. من هنا يجب أن ينطلق التساؤل المشروع.. حتى لا نصحو يوماً ما من حفلة التمجيد والتبجيل ونقول: سُرقنا ضحكاً من شريف روما الجديد.


والله المستعان



لمتابعة جديد المدونة على تويتر

@ShagranQ8

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق